ولادة شاذة
بدأ احتلال دول الحلفاء لليابان بعد أسبوعين من استسلامها في ١٥ أغسطس/ آب عام ١٩٤٥. وقد ضغط القائد الأعلى لقوى الحلفاء الجنرال دوغلاس ماك آرثر من أجل نزع السلاح من اليابان وتحويلها إلى دولة ديمقراطية، مع الوضع بعين الاعتبار أن إجراء تعديلات على دستور مييجي هو إحدى الأولويات. وبسبب استيائه من التقدم البطيء الذي أحرزه مسؤولو الحكومة اليابانية، أوكل ماك آرثر مهمة صياغة دستور جديد إلى موظفيه. وأكملت اللجنة مهمتها في غضون أسبوع، وتم الإعلان عن المسودة باعتبارها كتعديلات بالجملة على دستور ميجي في شهر مارس/ آذار من عام ٢٠١٦. وتمت المصادقة عليها في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من نفس العام ودخل الدستور حيز التنفيذ في ٣ مايو/أيار من عام ١٩٤٧.
وقد اختلف دستور اليابان الجديد عن سلفه دستور مييجي بثلاث نقاط مهمة: (١) شعبي، ليس امبراطوريا، السيادة، (٢) احترام حقوق الإنسان الأساسية، (٣) السلمية ونبذ الحرب. ولطالما كانت النقطة الثالثة المنصوص عليها في المادة ٩ من الدستور، محور نزاعات دستورية.
المادة ٩. (١) وإذ يتطلع الشعب الياباني بإخلاص إلى السلام الدولي القائم على العدل والنظام، يتخلى الشعب الياباني إلى الأبد عن الحرب كحق سيادي للأمة والتهديد باستعمال القوة أو استخدامها كوسيلة لتسوية النزاعات الدولية. (٢) ومن أجل تحقيق الهدف الوارد في الفقرة السابقة، لن يتم الإبقاء على القوات البرية والبحرية والجوية، فضلا عن إمكانات الحرب الأخرى. ولن يتم الاعتراف بحق الدولة في حالة الحرب.
وفي حين تَغير تفسير المادة ٩ على مر الوقت، حرمت اليابان على الدوام من امتلاك قدرات عسكرية هجومية. ونتيجة لذلك، تملك اليابان رسميا فقط قوات الدفاع الذاتي اليابانية، بالرغم من أن تلك القوات تشكل جيشا ميزانيته هي ثامن أعلى ميزانية في العالم (تقرير معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي ’’سيبري‘‘ لعام ٢٠١٧).
لطالما شجب المحافظون اليابانيون بقوة اعتماد بلادهم على المظلة الأمنية الأمريكية وحثوا على تعديل المادة ٩ من الدستور. كما أن حقيقة صياغة الدستور من قبل مسؤولي الاحتلال الأمريكي قد غذت الانتقادات بشأن شرعيته. لكن وعلى الرغم من أن الحزب الليبرالي الديمقراطي المحافظ والذي يملك أغلبية برلمانية على الدوام منذ عام ١٩٥٥ باستثناء أربع سنوات، لم يتم التقدم بمقترح رسمي إلى البرلمان لتعديل هذه المادة.
وهذا الاستقرار غير طبيعي من الناحية التاريخية يعود لسببين رئيسيين، الأول أن الدساتير التي تتم المصادقة عليها ديمقراطيا من المرجح أن تعكس قيم وأوليات المواطنين، وبالتالي تميل لأن تواجه مطالبات أقل بالاستبدال. وطبقا لبيانات مشروع الدساتير المقارنة، فإن متوسط استمرار الدساتير المصادق عليها ديمقراطيا هو ١٥ عاما، بينما الدساتير التي توضع إبان الاحتلال فهو ٣ أعوام فقط.
السبب الثاني: أوضح كل من إيلكينز وغينسبيرغ وميلتون في كتابهم المنشور عام ٢٠٠٩ أن الدساتير التي لا تسير في مستويات معتدلة من التعديلات فإن إمكانية استمراريتها هي أقل ترجيحا، لأن رغبات المواطنين تتغير بحكم الطبيعة عن الجيل الذي وضع تك الدساتير (*1). وفي الواقع فإن متوسط فترة استمرار الدساتير غير المعدلة هو ٣ سنوات، أما الدساتير المعدلة (مرة على الأقل) فهي ٢٢ عاما.
