فترة حياة وبنية شاذتان

لماذا إذا لم يخضع الدستور الياباني لأي تعديل على الإطلاق حتى الآن؟ إحدى الفرضيات هو أن تعديله أمر في غاية الصعوبة. فالمادة ٩٦ تشترط أن يتم طرح مقترح تعديل للدستور في البرلمان من قبل أغلبية كبيرة تبلغ ثلثي الأعضاء، وبعدها تتم المصادقة على التعديلات في استفتاء قومي بأغلبية بسيطة. وفي حين لا توجد بيانات متسقة من دول عديدة بشأن استفتاءات الناخبين، يقدم مشروع الدساتير المقارنة معلومات عن العقبات التشريعية التي تعترض إجراء التعديلات. وبالنظر إلى الدساتير الحالية فقط، فإن ٧٦٪ تتطلب موافقة ثلثي أعضاء السلطة التشريعية، مما يجعل الإجراء التشريعي في المادة ٩٦ من دستور اليابان نموذجيا تماما. الأهم من ذلك، أنه حتى الدساتير التي تضع عقبة الحصول على موافقة الثلثين يتم تعديلها بمعدل مرة واحدة كل تسع سنوات، ما يجعل من غير المرجح أن تكون المادة ٩٦ هي السبب الرئيسي في عدم تعديل الدستور الياباني.

وبدلا من ذلك، يمكن تفسير عدم تعديل الدستور الياباني بشكل أفضل من خلال تركيبته غير الشائعة المكونة من ’’الحقوق الخاصة‘‘ و’’المؤسسات الغامضة‘‘. ودعني هنا أوضح ماذا يعني ذلك. الرسم البياني رقم ٢ يظهر تحديد الحقوق والمؤسسات في أكثر من ٨٠٠ دستور مكتوب منذ عام ١٧٨٩ اعتمادا على بيانات مشروع الدساتير المقارنة. في بحث ماك إلواين ووينكلير لعام ٢٠١٥، نحدد ٢٦ حقا من حقوق الإنسان الشائعة و٣٠ مؤسسة سياسية، ومن ثم نقيس كم عدد هذه المواضيع قد تم ذكرها بشكل صريح في كل دستور (*2). يحدد دستور اليابان ٦٥٪ من الحقوق (١٧ من أصل ٢٦) و٤٧٪ من المؤسسات (١١ من أصل ٣٠). كل دائرة في الرسم البياني رقم ٢ تمثل معدل عدد حقوق الإنسان (الرسم البياني على اليسار) والمؤسسات السياسية (الرسم البياني على اليمين) المحددة في دستور واحد. وبالمقارنة مع خط المنحنى ذي اللون الأسود، يمكننا أن نرى أن تحديد الحقوق في الدستور الياباني كما تظهرها الخطوط المتقطعة، كان مرتفعا نسبيا بالنسبة لوقت صياغته، في حين كان التحديد المؤسساتي منخفضا. وبموجب معايير عام ١٩٤٧، أحصى الدستور الياباني حقوقا أكثر من جميع الدساتير باستثناء أربعة دساتير أخرى، وحتى اليوم فإنه يحتل المرتبة الثالثة. وعلى النقيض من ذلك، فإن تعداد المؤسسات السياسية، مثل السلطات التنفيذية، والحكم الذاتي للإدارات المحلية، والنظم الانتخابية للمكاتب السياسية، تحتل المرتبة ١٣٨ في العالم اليوم.

وهذا النمط ولا سيما قلة تحديد المؤسسات، كان له تأثيرات عميقة على استمرارية الدستور منذ المصادقة عليه. وفي مشروع منفصل مع جين كليبرتون من جامعة نورثويست، قمنا بدراسة نماذج من التعديلات الدستورية على مر الوقت(*3). وقد خلصنا إلى أنه في المتوسط فإن ٧٤٪ من أولى التعديلات على الدساتير تتعلق بالمؤسسات السياسية و٨١٪ من ثاني التعديلات تقوم بالشيء ذاته. وتتضمن التعديلات النموذجية، تعديلات على طول الفترات والإجراءات الانتخابية للمسؤولين السياسيين. تميل التعديلات الدستورية إلى التركيز على العمليات السياسية وليس على حقوق الإنسان.

وبالعودة إلى الحالة اليابانية، فإن حالة الغموض المؤسساتي في الدستور تعني أن التغيرات التي تستلزم تعديلا دستوريا في بلدان أخرى، يمكن إنجازها عن طريق تشريع عادي في اليابان. وكمثال على ذلك النظام الانتخابي. فالدستور الياباني يحدد:

المادة ٤٧. يحدد القانون الدوائر الانتخابية وطريقة التصويت وغيرها من المسائل المتعلقة بطريقة انتخاب أعضاء مجلسي البرلمان.

والقانون الياباني ذو الصلة هو قانون انتخابات المكاتب العامة (公職選挙法) والذي تم تعديله ٥٤ مرة منذ عام ١٩٥٠. وفي حين أن الكثير من التغيرات كانت طفيفة، تم تعديل النظام الانتخابي لمجلس النواب ’’مجلس الممثلين‘‘ بالجملة في عام ١٩٩٤، أما بالنسبة لمجلس الشيوخ ’’مجلس المستشارين‘‘ فقد تم تعديله بشكل جزئي في عامي ١٩٨٣ و٢٠٠١. وبالمثل يترك الدستور مهمة وضع هيكل الإدارات المحلية للقانون.

المادة ٩٢. يحدد القانون اللوائح المتعلقة بتنظيم الهيئات العامة المحلية وعملياتها وفقا لمبدأ الحكم الذاتي المحلي.

ويحدد قانون الحكم الذاتي المحلي (地方自治法) حاليا ٤٧ محافظة باعتبارها الوحدات الرئيسية ما دون القومية في اليابان. وخلافا لما هو الحال في الأنظمة الفدرالية مثل ألمانيا أو الولايات المتحدة، والتي تحدد ولايات خاصة باعتبارها وحدات أساسية، يمكن لليابان نظريا أن تحل هذه المحافظات وأن تستبدلها بـ١٠ ولايات أو ٣٠٠ بلدية عن طريق تمرير قانون بسيط.

مستقبل شاذ؟

تجدر بي الإشارة إلى أن بنية الدستور الياباني ليست السبب الوحيد وراء عدم إجراء تعديلات عليه. فخلال معظم فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، شهدت اليابان نموا اقتصاديا ثابتا ونظاما اجتماعيا وسلاما دوليا. ولم تعانِ من أزمات اقتصادية شديدة أو لم تشهد غزوا أجنبيا وهما أمران يمكن أن ينجم عنهما اضطراب سياسي ولحظات من التأمل الدستوري. ونتيجة لذلك لم يشعر المواطنون اليابانيون أبدا كما يُزعم بالحاجة إلى تعديل الدستور.

غير أنه حتى في حالة ظهور أزمات في المستقبل، يمكن للدستور أن يستوعب تعديلات مؤسسية أو تكيفات موجهة نحو السياسات لأنه مقتضب على نحو غير مألوف. وفي مايو/أيار عام ٢٠١٧، أدخل رئيس الوزراء آبي نفسه مباشرة في خضم المناقشات الجارية بشأن التعديل الدستوري. ودعا إلى تعديل دستور اليابان بحلول عام ٢٠٢٠، مشيرا إلى أنه يجب التركيز على نقطتين: إضافة فقرة ثالثة إلى المادة ٩ للاعتراف رسميا بقوات الدفاع الذاتي، وجعل الرسوم الدراسية في مرحلة التعليم العالي مجانية.

ولا تتطلب هاتان النقطتان إجراء تعديل دستوري. أولا، فيما يتعلق بالمادة ٩، ليس من الواضح لماذا تحتاج قوات الدفاع الذاتى الموجودة بالفعل والتي لم يتعرض وجودها لتحدٍ دستوري خطير – إلى اعتراف رسمي عن طريق تعديل دستوري. والواقع أنه لطالما افترض الحزب الديمقراطي الليبرالي دستورية قوات الدفاع الذاتى، ولذلك فإن إعلان الحاجة إلى التعديلات يبدو أنه يوحي بأن الحكومة لا تؤمن بمبرراتها الخاصة.

ثانيا، فيما يتعلق بتكاليف التعليم، ينص الدستور بالفعل على ما يلي:

المادة ٢٦ (٢) جميع الناس ملزمون بتلقي جميع الأولاد والبنات الذين هم تحت حمايتهم التعليم العادي على النحو المنصوص عليه في القانون. ويكون هذا التعليم الإلزامي مجانيا.

ولجعل التعليم العالي مجانياً، يجب على الحكومة ببساطة أن تغير التعريف القانوني للتعليم الإلزامي من السنوات التسع الحالية التي تشمل التعليم الابتدائي والإعدادي.

ولا ينبغي تفسير أي من هذه المبررات على أنها معارضة لإجراء أي تعديل دستوري. وإذا اتفق السياسيون والمواطنون اليابانيون على مراجعات محددة على مستويات تصل إلى عتبة التعديل، فإن مبادئ الديمقراطية الدستورية ستكون مستوفاة. ومع ذلك، ينبغي لنا أن ندرك أيضا مخاطر التعديل الدستوري، ولا سيما إمكانية حدوث عواقب غير مقصودة. وينبغي أن يكون هناك توافق واسع في الآراء بشأن المشاكل التي يولدها الدستور، وكيف يمكن لأي تعديل معين أن يحلها. وينبغي أن نكون حذرين من المقترحات التي لا تفي بهذه المعايير، وخاصة أن جمال الدستور هو قدرته على معالجة المشاكل من خلال وسائل غير دستورية.

وكما يقول المثل القديم: ’’لا تصلح الشيء، طالما أنه غير معطوب‘‘.

(المقالة الأصلية مكتوبة باللغة الإنكليزية. صورة العنوان: النسخة الأصلية من الدستور الياباني محفوظة في الأرشيف القومي لليابان.)

(*1) ^ Elkins, Z.، T. Ginsburg، J. Melton . ٢٠٠٩. استمرارية الدساتير القومية. كامبرج: دار نشر جامعة كامبرج.

(*2) ^ McElwain, K. M.، C. G. Winkler. ٢٠١٥. ’’ما سر أن الدستور الياباني فريد؟ تحليل تاريخي مقارن‘‘. مجلة الدرسات اليابانية ٤١ (٢).

(*3) ^ راجع الورقتين العلميتين التاليتين المقدمتين في المؤتمر السنوي لجمعية العلوم السياسية في الغرب الأوسط، شيكاغو، من قبل McElwain, K. M. و J. M. Clipperton: ’’التكيف مع التقادم: كيف تقصر تعديلات مهمة من فترة حياة الدساتير‘‘ لعام ٢٠١٣، و’’التطور الدستوري: متى يتم تعديل الدساتير مقابل استبدالها؟‘‘ لعام ٢٠١٤.