ثقافة البيت ذو الثلاثين عاماً
أشار المؤرخون الصينيون القدماء إلى أن أسلوب ممارسة الشعائر الدينية لدى الشعوب التي تقطن الجزر اليابانية يعنى أساسا بالنظافة والطهارة، وهي ذات العناصر التي تميز العديد من الممارسات الدينية والثقافية حتى يومنا هذا. يمكن لظاهرة نمو العفن في اليابان أن تساعدنا جزئياً في معرفة السبب وراء انتشار ثقافة النظافة، ولماذا ما تزال ”النجاسة“ من ضمن المحرمات.
ينظر إلى اليابان على نطاق واسع باعتبارها بلداً تقليدياً للغاية، إلا أن اليابانيين يفضلون كل ماهو جديد. فشركات المقاولات الكبرى لا تخف حقيقة أنهم يصممون منازلهم لكي تظل قائمة لما يقرب من ٣٠ عاما، يفترض بعدها أن يتم هدم المنزل والاستعاضة عنه ببناء جديد. فكرة أن البيت يصبح ”قديماً“ فقط بعد مرور ٣٠ عاما هو أمر مثير للدهشة بالنسبة للمتخصصين في مجال البناء في الغرب، ولكن إعادة البناء هي وسيلة مثالية للقضاء تماما على العفن وغزو الحشرات، لذا فهو أمر بديهي في ظل المناخ الياباني.
كما أن ثقافة إعادة البناء بشكل متكرر هذه لها جذور قديمة أيضا. فحتى القرن الثامن الميلادي، كان موت الإمبراطور يعني ضرورة تغيير القصر، بل وأحياناً تغيير عاصمة الإمبراطورية بأكملها. وبغض النظر عن الدوافع السياسية، فإن مثل هذه الفكرة لن تكون قابلة للتطبيق إلا إذا كانت هياكل البناء معدة مسبقاً لتكون غير دائمة نسبياً.
كانت عملية نقل المنزل تعني التخلص من كل شيء باستثناء الهيكل الخشبي، وتفكيك الإطار، وإعادة تجميع الأخشاب مع سقف جديد وجدران جديدة. كما يتم أيضاً في هذه المرحلة استبدال أي أجزاء قد أصابها العفن. كانت تلك هي الطريقة المثلى لمعالجة الأضرار الناتجة عن العفن والحشرات مع الحفاظ في نفس الوقت على المنفعة الاقتصادية للأجزاء الأكثر تحملاً في المنزل. حتى أننا نجد اليوم في العديد من المنازل الريفية عوارض وأعمدة قديمة جداً تم إعادة تدويرها، حيث تم إعادة استخدام الأخشاب من بناء سابق.
الخشب ضد المعدن
فرضت النقابات والقرارات السياسية والاقتصادية لشوغونية توكوغاوا قيودا على استخدام أدوات الربط المعدنية في البناء خلال فترة إيدو. كان هذا أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى تنمية أسلوب النجارة الخشبية حتى بعد أن أصبح الصلب متاحاً بشكل عام. إلا أن أدوات الربط المعدنية لا يمكن مقارنتها بالروابط الخشبية في طول العمر ما لم يتم تثبيتها في خشب معالج بشكل جيد ومعزول عن الهواء. أما بالنسبة للخشب الغير معالج جيداً، فقد تؤدي الانكماشات الموسمية وتمدد المواد المحيطة به إلى تفكك تلك الروابط المعدنية، وفي حالة تعرضها للهواء تكون عرضة للتأكسد السريع في مناخ اليابان المشبع بالرطوبة. بالإضافة إلى ذلك، فإن تعرض المعادن للضغط بشكل متكرر يؤدي إلى تلفها مع مرور الوقت.
وعلى العكس، تزداد المفاصل الخشبية قوة كلما زاد عمر الأخشاب وازدادت صلابة الخلايا الفردية. وتشير الحسابات إلى أن المفاصل الخشبية يمكن أن تكون أكثر متانة من الناحية الهيكلية بعد مرور قرون على بنائها. بشكل عام فإن الأخشاب تكتسب قوة على مدار ٢٠٠ إلى ٣٠٠ عام التي تلي قطعها، ومن ثم تقل قوتها تدريجياً بعد هذه الفترة، لكن بالنسبة للعارضة الخشبية المعالجة بشكل جيد، فإن الأمر يستغرق ما لا يقل عن ١٠٠٠ عام حتى تتضاءل قوتها لتعود إلى ما كانت عليه وقت قطعها.
الأعاصير والزلازل
وبجانب العفن تعد الرياح العاتية والأمطار الغزيرة المصاحبة للأعاصير المتكررة وهي من الكوارث الطبيعية سبب أخر هام لاستخدام الخشب في البناء. فالأمطار الغزيرة المتكررة تستدعي استخدام مزرابا عميقا متدلياً لحماية الجدران، في حين كان الحل الأمثل في مواجهة الرياح العاتية هو استخدام الأسقف الثقيلة حتى لا تطير.
السقوف الكابولية الثقيلة يستحيل بنائها دون بنية خشبية مفصلة، وخاصة في حال عدم توافر الأقواس المعدنية والمثبتات. ولمقاومة الأعاصير، يفضل أن تكون هذه الأسقف مدعومة بحجر سميك أو جدران حجرية. ولكن في بلد تكثر فيه الزلازل والأعاصير المدمرة يكون هذا أمراً خطيراً وغير عملي. ناهيك عن حقيقة أن البناء غير المعزول أو الجدران الخرسانية سوف تبكي حرفيا بكثافة خلال موسم الأمطار.
في البناء الخشبي الياباني التقليدي يكون الهيكل الخشبي تقريبا مفتوح بشكل كلي للفحص البصري. وهذا يعني أن أي دخول غير مرغوب فيه للمياه، مثل تسربها من السقف مثلاً، سيكون من السهل التعرف عليه بسهولة ومعالجته قبل أن يجد العفن البيئة المناسبة للظهور.
السبب الرئيسي الثالث وراء استخدام الأخشاب في البناء هو مقاومة الزلازل. فالبيوت الغربية الحديثة تم تشييدها كصندوق صلب مثبت بقوة إلى الأساسات، لذلك فإن فكرة مقاومة الزلازل تقوم أساساً على ضمان أن الجدران قوية بما يكفي لمقاومة الاهتزاز الجانبي. إلا أن نتيجة ذلك ستكون أن المبنى سيتحرك مع سطح الأرض، الأمر الذي سيجعل من في داخل البناية يشعر بقوة الزلزال كاملة.
وفي المقابل، تكون المفاصل الخشبية التقليدية على درجة عالية من المرونة تسمح لها بامتصاص الكثير من الطاقة الجانبية للزلزال. هذا يساعد المباني ذات الأسقف الثقيلة ولكن دون جدران صلبة على أن تظل ثابتة حتى عند حدوث هزة قوية. العديد من المباني الخشبية القديمة في اليابان تشبه في تصميمها الكرسي الخشبي، فأعمدة دعم الجدار الحرة موصولة بالجزء العلوي، حيث ثقل السطح، وبالأقواس من الأسفل. مما يتيح دعماً آمناً للوزن العلوي الديناميكي الثقيل.
معظم المباني التقليدية لم تكن متصلة بأي أساس وليس بها أقبية. أثناء وقوع زلزال، قد يقفز الهيكل عن حجر القاعدة، وقد تنهار الجدران الطينية والتعريشة، كما قد تلوى الأخشاب أو تنحني. لكن بالنسبة للمباني الخشبية المشيدة بشكل جيد، فمن المتوقع أن تظل منتصبة. في الواقع، حتى في البناء المعاصر، فصل القاعدة الذي يعني فصل المبنى تماما عن أساساته مما يعطيه مجالاً للترنح بحرية أثناء وقوع زلزال، أصبح هو المعيار الذهبي للتصميم الزلزالي. إلا أن فصل القاعدة التقليدي (ببساطة وضع هيكل على قاعدة صلبة دون تثبيتها)، يعد أمراً غير قانوني في اليابان بشكل عام.
وفرة الأخشاب
وهناك اعتبار أخير بخصوص تفضيل الخشب في البناء التقليدي، ألا وهو سهولة الحصول على الخشب في اليابان. الأنواع الشائعة من الخشب بما في ذلك السرو، الصنوبر والكريبتوميريا تكون جاهزة للحصاد والاستخدام فقط بعد ٤٠-٦٠ سنة من نموها. الكريبتوميريا والسرو على وجه الخصوص لديهم القدرة على مقاومة العفن والحشرات، مما يجعلهم مواد البناء المناسبة للاستخدام في المناخ الياباني. وكما هو مذكور أعلاه، فإن فوائد البناء بالأخشاب تتفوق على مخاطر اندلاع الحريق، وهو تهديد سمح للوقت بالهروب وفي كثير من الحالات قد يتم إخماد قبل أن يتسبب في أضرار جسيمة.
لحسن الحظ، استطاع النجارون اليابانيون تحقيق الاستفادة القصوى في مجال تقنيات البناء الخشبي على مدار أجيال عديدة، وأورثونا كنزاً من العمارة الجميلة التي يمكن أن تثري أسلوب حياة عصري ومستدام وآمن وخال من العفن.
(النص الأصلي باللغة الانجليزية. صورة العنوان: المنزل الريفي minka المجدد حديثاً. الصور من أتيليه يوو المعماري.)






