حقبة الفضاء الجديد
ومن وجهة نظر واسعة، فإننا نعيش الآن فيما يمكن أن نطلق عليها اسم الفترة الرابعة من تطوير واستخدام الفضاء. امتدت الفترة الأولى من ١٩٥٧-١٩٧۲ وشهدت منافسة ضارية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي على تطوير استخدامات عسكرية للفضاء وإنزال أول إنسان على سطح القمر. وفي الفترة الثانية التي امتدت من ١٩٧٣-١٩٩٠، دخلت وكالة الفضاء الأوروبية المشهد، وبرزت دول مثل اليابان والصين والهند باعتبارها دولا مستقلة في مجال ريادة الفضاء. وكانت التحركات التي تهدف إلى الاستخدام التجاري للفضاء في أواخر هذه الفترة جارية على قدم وساق بوجود شركات تقدم خدمات إطلاق تجاري للفضاء وتشغيل أقمار اصطناعية من أجل الاتصالات والبث والاستشعار عن بعد. أما الفترة الثالثة والتي كانت تقريبا بين عامي ١٩٩٠-۲٠٠٦، فشهدت دخول أعداد كبيرة من اللاعبين في هذا المضمار ويعود الفضل في ذلك بشكل جزئي إلى تطوير أقمار اصطناعية توفر وظائف محسنة جذريا بأسعار منخفضة نسبيا. وخلال هذه السنوات، كان هناك توسع كبير أيضا في الأنشطة الأخرى اللاحقة المتعلقة بالفضاء بما في ذلك توفير منتجات وخدمات منشأة على الأرض عن طريق معالجة بيانات قادمة من الفضاء. وكانت بريطانيا رائدة هذا المجال.
والآن نحن نعيش الفترة الرابعة والتي تتميز بظهور ”الفضاء الجديد“ منذ حوالي عام ۲٠٠٦. وهو يشير إلى فئة جديدة من أعمال الفضاء التي تستغل تطور التقنيات ذات الصلة وانخفاض التكاليف. وقد تم إشراك الشركات الناشئة حديثا وغيرها من الشركات الصغيرة نسبيا والتي تعمل إما بشكل مستقل أو بالاشتراك مع شركات كبرى ووكالات حكومية، في مجالات مثل التنقل بين المدارات والتخطيط للسياحة الفضائية إلى مقاصد مثل القمر والمريخ وإقامات طويلة المدة في الفضاء الخارجي ونقل الموارد الفضائية إلى الأرض. تم تأسيس شركة تقنيات استكشاف الفضاء والتي تعرف اختصارا بـ”SpaceX“ عام ۲٠٠۲، وقد قامت بتطوير مركبة شحن فضائية غير مأهولة ووضعتها في مجال العمليات التجارية لمحطة الفضاء الدولية بموجب عقد مع الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأمريكية ”ناسا“. كما تعكف SpaceX على تطوير قدرات للنقل التجاري لرواد الفضاء لصالح ناسا، بالإضافة إلى عملها على خططها الخاصة المتعلقة باستكشاف واستيطان المريخ من قبل البشر.
وعلاوة على ذلك، فإن مشاريع ”الفضاء الجديد“ تهدف إلى تأسيس أعمال مثل بناء بنية تحتية لشبكة الإنترنت تغطي الكرة الأرضية بواسطة كوكبة مؤلفة من مئات بل آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة، واستكشاف كويكبات ونقل موارد منها إلى الأرض، والتخلص الفعال من الحطام الفضائي، والخدمات في المدار لتأمين تشغيل فعال لمركبات استعادة الموارد واستكشاف الفضاء. ويعتمد الفضاء الجديد على تركيبة مكونة من طاقة الشركات الناشئة حديثا مع نماذج أعمال جديدة وبين التقنية لتنفيذها والدعم الفعال للمستثمرين وشركات صناعة الفضاء الكبرى ووكالات فضاء حكومية. ولم يساعد ظهور الفضاء الجديد على توفر تمويلات فحسب بل أيضا على تبني تشريعات قومية لتقليل العوائق التي تعترض العديد من الأنماط الخاصة من أنشطة الفضاء.
تبنت الولايات المتحدة في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من عام ۲٠١٥ قانون التنافس في الإطلاق الفضائي التجاري الأمريكي والذي يخول المواطنين الأمريكيين أن ”يمتلكوا، ويحوزوا، وينقلوا، ويستخدموا، ويبيعوا“ كويكبات أو موارد فضائية (بما فيها الماء). كما تنص معاهدة الفضاء الخارجي على أن الفضاء الخارجي لا يخضع للمحاصصة الدولية، وتُفسر بأنه يُحظر قيام الشركات بامتلاك مناطق على الأجرام السماوية. ولكنها لا تتضمن بنودا بشأن حيازة الموارد الفضائية. ولم يتم التوصل بعد إلى قرار بشأن ما إذا كانت الشركات تستطيع حيازة واستغلال وشراء مثل هذه الموارد بموجب القانون الدولي.
وهذا القصور في وجود قوانين واضحة يثني الشركات عن التفكير في الانخراط بأعمال الموارد الفضائية. ولذلك تحركت الولايات المتحدة لدعم هذا النوع من الأعمال من خلال تقديم تفسيرها الخاص لمعاهدة الفضاء الخارجي وتوفير أمن لأنشطة مواطنيها الفضائية. كما أن لوكسمبورغ التي تسعى لأن تصبح مركز صناعة التعدين الفضائية هي الآن في خضم عملية سن تشريع مشابه.