في بحث عن النكهات المحلية

ظهر في اليابان نموذج تقديم الطعام الجديد ”غوتوتشي“ بشكل أساسي في بحث عن أكثر الطعام لذة في كل منطقة. ويقوم اليابانيون حاليا بالربط بين تناول الطعام ونوع الثقافة الشعبية التي يمثلها بحيث أن السعي لتناول طعام لذيذ تطور إلى هواية وطنية. لقد غدت ”سياحة الطعام“ هذه رديفا لأشكال الترفيه الأخرى. كما أن هذه الهواية يمكن أن تعزى بشكل كبير إلى عاملين: التجانس المتزايد للمناطق اليابانية النائية والحاجة إلى مناطق غير المدن الكبرى للتنافس على الإيرادات. وبينما يتراجع عدد اليابانيين الكلي، تستمر نسبة الذين يعيشون في مدن اليابان الكبرى (طوكيو، ناغويا، أوساكا) في الازدياد. كما تسرعت جغرافية التغيير في اليابان بصورة أكبر جراء الهيئيسيي دايغابّيي - وهي سلسلة من الاندماجات الإدارية في فترة هيئيسي (منذ عام ١٩٨٩) - حيث انخفض عدد البلديات من ٣٢٣٢ بلدية في عام ١٩٩٩ إلى ١٧٣٠ بلدية عام ٢٠١٠. وهذا يعني أن مفهوم نكهة محلية وفريدة قد انخفض بمقدار النصف بصورة فعلية على مدى عقد من الزمن في معظم أرجاء البلاد.

وتمثلت إحدى وسائل مكافحة دمج السكان/هجرتهم الجماعية المستمرة وعكس التراجع الاقتصادي الناجم عن ذلك في محيط اليابان على مدى العقدين المنصرمين في ترويج الأطباق المحلية. ومع ظهور علامات تجارية محلية، هناك الآن سباق الجائزة الكبرى لأطعمة B-1، والتي دشنت في عام ٢٠٠٦ وتقام سنويا. وكما هو موضح على موقعها الإلكتروني، فهذه المنافسة ليست على الطعام أو المبيعات ولكن على شعبية الأماكن نفسها من خلال الطعام. وتقريبا ليس هناك منافس أكبر من الرامن، والذي يحظى بالفعل بمحبين مخلصين له، في هذا السباق المحلي على التميز. وفي طريقة تعكس اتجاها بين الشركات المنتجة للرامن خلال السنوات الأولى من نمو الرامن في عشرينيات القرن العشرين، تقوم تلك الشركات باستخدام ”نكهاتها المحلية“ كوسيلة لتمييز منتجاتها عن المنتجات الأخرى. وطبقا لوزارة الزراعة والغابات وصيد الأسماك اليابانية، هناك حافز اقتصادي كبير جراء المشاركة في مثل تلك المبادرات التي تعمل على تعزيز الأطباق المحلية كمنتج حاز بالفعل على إشادة المستهلكين.

تأييد ”الأصالة“

إن اليابان في فترة ما بعد الحرب هي خليط هجين من الأذواق والتأثيرات الثقافية، تماما كما كان الحال عليه في أوائل فترة ميجي (١٨٦٨-١٩١٢)، مع المشترين الصينيين ورجال أعمال غربيين. وفي الوقت الذي يفتخر فيه الفرنسيون بمجد مذاق مأكولاتهم ويتأمل البريطانيون بمأكولاتهم الوطنية، تبدو ردود الفعل اليابانية على الظهور العالمي لمكانة مأكولاتهم الوطنية في أحسن الأحوال ملتبسة. أذهلت وجبات الرامن العالم، ولكن شعبيتها أحدثت أيضا بعض الانزعاج. فقد شعر بعض اليابانيين أنهم مهددون بحقيقة أن ما يفترض أنها وجبتهم الفريدة أصبحت الآن متاحة في أرجاء العالم، ولأول مرة يشعرون بالتردد حيال الشهرة الجديدة التي حققها طعامهم.

أعلنت الحكومة اليابانية في عام ٢٠٠٦ عن عزمها لدارسة تأسيس نظام ترخيص لوضع معايير ومنح تراخيص لما يعتقده المسؤولون اليابانيون أنها مطاعم يابانية ”أصلية ومؤهلة“، على خلاف تلك المطاعم التي ”لا تمت لليابان بصلة على الإطلاق“. وقد تم تخصيص موقع إلكتروني يخول زبائن أي مطعم في الخارج إرسال تقرير عن الجودة ”اليابانية“ لتجربتهم الغذائية بهدف مساعدة المكتب الوزاري المختص على جمع البيانات. ولكن لا يزال من غير الواضح ما معنى جودة ”يابانية“ على وجه التحديد، وقد تم إلغاء تلك الخدمة بعد فترة قصيرة.

ولكن الخطة أيضا تشكك بالمعتقدات التي سادت لفترات طويلة وربما غير المناسبة حول أبدية المأكولات اليابانية. في الواقع، تمثلت إحدى التحولات الإيديولوجية الكبرى في الهوية خلال فترة تايشو (١٩١٢-١٩٢٦) في دمج واستهلاك الأطعمة الصينية وتأثيرها على المأكولات اليابانية على الرغم من أن المفهوم المطلق للمطبخ الياباني كان في طور التشكل. إن المطبخ الياباني - كان يُعتقد فيما مضى أنه فريد وغريب إلى حد ما خارج اليابان - يهيمن على موائد الطعام في أنحاء العالم. ولكن نقطة الخلاف تبقى في موضع نقاش بشأن ما هو الطبق الذي يجب أن يمثل هذا التحول - رامن أم واشوكو - مع الأخذ بالحسبان أن كليهما طبقان يابانيان مفترضان. ويبدو أن اليابانيين أنفسهم حائرون، فقد أظهر استبيان أجري عام ٢٠٠٧ لآراء يابانيين عائدين إلى وطنهم من الخارج أن النسبة الأكبر منهم يرغبون بتناول ”طعام يشعرهم بالراحة“ من بلادهم. ولم يكن هذا الطعام سوشي أو معكرونة السوبا أو بعض مكونات الواشوكو وإنما الرامن. يمكن القول إن الرامن الآن يحدد كيف يأكل اليابانيون وقد أصبح عمادا للكيفية التي تنظر بها بقية العالم إليه. قد يكون من الجيد مراقبة تطور المطبخ الياباني ورؤيته على ما هو عليه، وهو أنه تقليد مبتكر في تغير مستمر وليس قطعة أثرية أبدية في أحد المتاحف.

(المقالة الأصلية مكتوبة باللغة الإنكليزية في ١٩ يونيو/حزيران ٢٠١٥. صورة العنوان من نيويورك تايمز/أفلو).