أكره الأماكن المزدحمة

بدأنا اليوم مع عابدين في منطقة ”كتشي جوجي“ بطوكيو وكان يوماً ممطراً بشكل غريب كأن السماء فُتحت على مصراعيها حتى كدنا نصاب جميعاً بالبرد بسبب تبلل ملابسنا التي غرقت بالماء.

وعندما كنا نسأل عابدين هل تعرف ما المكان أو المحل الموجود مثلاً على يمينك حتى نعرف كيف يعيش في تلك المدينة الصاخبة، كان يجيب بكل ثقة: ”هذا محل يبيع المحمول وهذا محل لبيع الاحذية“ وكانت إجاباته صحيحة حتى أننا بدأنا نشك مرة أخرى إن كان فعلاً كفيفاً لايري أم أنه خُيل لنا ذلك، خاصة أنا حيث قضيت ذلك اليوم وأنا في حالة انبهار شديدة مما أراه وأسمعه من عابدين.

فعندما سألته: بالله عليك! كيف عرفت الإجابة بتلك السهولة؟ رد علي قائلاً: ”أعرف من خلال الأصوات والروائح التي أستطيع أن أميز بينها بدقة، كذلك حركة الهواء وصدى الصوت من حولي يمكن من خلاله أن أعرف أشياءً كثيرة“، لكني على أيّ حال لا أحب الأماكن المزدحمة مثل هذا الحي، فأنا أفضل الأماكن الهادئة، لكني يمكنني أن أميز كل مكان أذهب إليه عن طريق الرائحة!!

- ما هو المكان الذي تحبه أو تفضله في طوكيو؟

ـ أفضل السكن منطقة ”كوكوريتسو“، فهي منطقة هادئة وشوارعها واسعة يمكنني أن أمشي بها بسهولة دون أن أشعر بالقلق من السيارات أو الدراجات التي تزعجني أحياناً، ومن الجو الهادئ الذي تتميز به، يمكنني أن أتخيل أن بيوتها أيضاً واسعة عكس المناطق الأخرى.

التعرف على اليابان

يقول عابدين و نحن نمشي سوياً "في الأيام العادية أستطيع أن أسمع حتي مسافة ١٠ أمتار، أما في الأيام الممطرة مثل اليوم فإنني استطيع ان أسمع حتى ثلاثة أمتار فقط".

مشواري الدراسي في بلدة صغيرة في محافظة ”فوكوي“، وهي منطقة منعزلة ولم يكن فيها أي شيء سوى حقول الأرز، فكانت هادئة للغاية ولذلك نادراً ما كنت اسمع أي صوت أو اشم رائحة مختلفة عن طبيعة المكان، ولم يكن هذا الأمر يزعجني بل على العكس تماماً كنت سعيداً جداً بل وأشعر بالامتنان لله سبحانه وتعالى أن بدايتي كانت في تلك البلدة الريفية الهادئة الجميلة.

لكن قبل أن أتي لليابان استغرقت ثلاثة أشهر قبل أن أتمكن من إقناع والدي الذي أبدى اندهاشه من رغبتي في الذهاب لاستكمال دراستي باليابان كوني قد أنهيت دراستي للقانون بكلية الحقوق جامعة الخرطوم. بالطبع لم يكن مندهشاً من الفكرة بل كان ذلك من المكان الذي كنت أريد إكمال دراستي به وهو اليابان. فسألني حينها مستغرباً: ”اليابان !! لماذا تريد أن تذهب إلى آخر الدنيا يا ولدي لدراسة الوخز بالإبر؟“، فأجبته بأن اليابان بلد متقدم في كافة المجالات و تقدم لمن حرم من نعمة الإبصار مثلي الفرصة والبيئة المناسبة التي يمكن الدراسة بسهولة ويسر، في النهاية اقتنع والدي وقال:”أنا أصدقك يا ولدي، اذهب على بركة الله“ وهكذا كانت تلك أول خطوة تنتهي بنجاح على طريق الذهاب لليابان.

لقد أخذ مني الوقت نحو ٣ أعوام حتى تمكنت من تعلم طريقة برايل للقراءة وكذلك الوخز بالإبر. وكنت أقيم بالسكن الملحق بالجامعة ولكني كنت أبيت في العطلة الأسبوعية في بيوت عائلات يابانية عادية فساعدني ذلك على التعرف عن قرب على الثقافة اليابانية، كانت أيام رائعة لا يمكن أن أنساها أبداً.