حسن المعاملة في المتاجر اليابانية
بعد الغداء توجهنا إلى جامعة طوكيو للدراسات الأجنبية التي يدرس بها عابدين مستقلين الحافلة ثم القطار لمدة ساعة تقريباً. وكان عابدين يقف عند الدرابزين قبل الصعود ويتحسس ذلك بيده فسألته عن السبب فجاوبني: ”اسم القطار واتجاهه مكتوب هنا بطريقة برايل“ ففهمت بذلك كيف يعيش عابدين ويتعامل مع وسائل المواصلات بتلك السهولة، وحقاً احترمت اليابان أكثر وأكثر لتذليلها كل الصعاب من أجل حياة كريمة لكل المواطنين دون أن تفرق بينهم في الحقوق والواجبات، وكأن عابدين قرأ افكاري فأكمل: ”اليابان توفر السبل التي تجعلني أستطيع أن أمشي وحدي في المدينة وأذهب للتسوق وما الى غير ذلك دون الاعتماد على أحد، لكن مازال هناك المزيد الذي يمكن لليابان أن تقدمه لمن هم في مثل حالتي“.
وأثناء ذلك وصلنا للسوبر ماركت الذي تعود عابدين أن يشتري منه احتياجات المنزل حيث يتواجد به موظف متخصص لمساعدة المكفوفين. وعندما دخلنا وجدنا الى اليمين آلة مكتوب عليها بطريقة برايل عن كل قسم من أقسام السوبر ماركت، فاختار عابدين القسم الذي يحتاجه وضغط على الزر فظهر سريعا موظف يبدو أنه يعرف عابدين جيداً حيث سأله عن أحواله هو الأسرة. ذهبنا الى قسم الخضروات فسأل عابدين: ”أين الطماطم؟ من أي محافظة ؟ هل لونها أحمر قاتم؟“ وكان الموظف يجيب على كل تساؤلاته وهكذا كان يناوله ما يحتاج في ود واحترام لا يقدر بثمن. كم أتمنى أن أرى هذا الحلم يتحقق يوماً ما في الوطن العربي ونأخذ اليابان مثالاً في ذلك.
الوظيفة من أجل العائلة
عابدين هو الآن في مرحلة البحث عن وظيفة ”لديّ الآن عائلة ويجب أن أبحث عن وظيفة وهذا أمر مرهق جداً خاصة في اليابان، فأحياناً ما أصل لمراحل متقدمة من المقابلة الشخصية والمعاملات الورقية وما الى ذلك وأشعر أني اقتربت...لكن للأسف تكون النتيجة سلبية في نهاية الأمر. أنا الآن في ٣٥ من عمري ولم أعمل من قبل في ايٍّ من الشركات اليابانية لذلك أرى أن فرصتي الأكبر قد تكون في أحد مراكز الأبحاث إن شاء الله“.
عابدين متزوج من سيدة سودانية ولديه بنتان هما الشمس والقمر بالنسبة له، يقول عابدين: ”الزواج هذا هو بالفعل نصيب كما يقال، فقد تحدثت معها مرة واحدة فقط في التليفون وفي الثانية طلبتها للزواج! وجاءت معي لتعيش في اليابان لتكون هي عيني التي أرى بها وأكون لسانها الذي يحكي لأنها لا تتقن اليابانية. وقد رزقت بطفلتين أتمنى أن يعينني الله سبحانه وتعالى حتى أستطيع أن أنشئهم على القيم والثقافة الإسلامية وفي نفس الوقت أزرع فيهم أحسن ما في الثقافة اليابانية“.
- هل ستكمل حياتك هنا في اليابان أم ستعود للسودان؟ وهل ندمت يوماً على مجيئك إلى اليابان؟
ـ هل كان من الأفضل أن أكمل دراستي للقانون في السودان...أحيانا أسأل نفسي هذا السؤال، لكن أعود للواقع وأقول لنفسي الزمان لا يعود للوراء، وأنا أيضاً لن أعود للوراء، فقد جئت لليابان رغماً عن إرادة والداي لرغبتي في خوض هذه التجربة، لذلك فلا مجال لأي ندم الآن. يفضل معظم البشرأن يعلقوا أخطائهم وفشلهم على شماعة الآخرين، أما في حالتي فأنا من أخترت الطريق، فما من مجال إلا أن ألوم نفسي....للأسف الشديد (ضاحكاً).
وهكذا انتهى يومنا مع عابدين ولم تنتهي قصته التي تصلح أن تكون فيلماً من أفلام الكفاح والمثابرة، فعابدين جَسّد صور الإرادة والعزيمة والتحدي والصمود جمعاء، ورسم خيوط مستقبله فكان له ما أراد وحلم به، واستطاع ان يشق طريقه ويتمرد على واقعه في صورة تبعث برسالة واضحة لكل من في جسده قلب ينبض انه لا يوجد شيء اسمه المستحيل.


