تُعد قلعة هيميجي، المعروفة بلقب قلعة البلشون الأبيض بسبب جدرانها البيضاء الناصعة وانسيابية تصميمها، واحدة من أروع التحف المعمارية في اليابان وأكثرها إبهارًا. فهي لا تُعتبر مجرد قلعة عسكرية حصينة، بل أيقونة فنية تجسد عبقرية العمارة اليابانية في العصور الوسطى، وقدرتها على الجمع بين القوة والجمال في آن واحد. وبفضل تاريخها العريق ومكانتها الفريدة، حصلت القلعة على لقب الكنز الوطني، كما أدرجت ضمن مواقع التراث العالمي لليونسكو، لتصبح مقصدًا لا غنى عنه لعشاق التاريخ والعمارة والثقافة اليابانية. وما يزيدها تميزًا أنها واحدة من 12 قلعة أصلية متبقية في البلاد، لم يعبث بها الزمان أو الحروب، لتقف اليوم شامخةً كجسر يربط بين ماضي اليابان المجيد وحاضرها الزاهر.
تعد قلعة هيميجي قلعة مهيبة من القرن السابع عشر في مدينة هيميجي بمحافظة هيوغو. وهي مُحافظ عليها بشكل جيد وكبيرة الحجم وتتمتع بإطلالة مميزة، وهي واحدة من أشهر القلاع المحبوبة في اليابان. وقد تم تصنيفها ككنز وطني وموقع للتراث الثقافي من قبل اليونسكو. وقد ألهم موقعها الشاهق فوق المدينة، وشكلها الأنيق مقارنات شعرية بالطيور بيضاء الريش، بما في ذلك النعت الأكثر شهرة لها وهو ”قلعة طائر البلشون الأبيض“ أو ”شيروساغي-جو“.
تحفة معمارية
أكثر ما يلفت النظر في قلعة هيميجي هو البرج الرئيسئ الذي يطلق عليه (دايتنشو). وهو أكبر الأبراج المركزية في القلاع الإثني عشر المتبقية في اليابان من عصر إيدو (1603-1868) أو ما قبل ذلك، والتي لازلت تحتفظ بأبراجها المركزية. ويبلغ ارتفاع البرج الخشبي ذو الجدران البيضاء 31,5 مترًا ويتكون من خمسة طوابق من الخارج وسبعة طوابق داخلية، بما في ذلك القبو المحاط بالجدران الحجرية الذي يعتبر قاعدته ويعطي المبنى ارتفاعًا إجماليًا يبلغ 46,3 مترًا. ويُحاط البرج بثلاثة (كوتنشو) أو أبراج ثانوية أصغر حجمًا، والتي يتم ربطها بممرات مغطاة تسمى (واتارياغورا). والبرج و واتارياغورا يصنفان على أنهما كنز وطني في اليابان.
ويضم المجمع القلعي 83 مبنى بما في ذلك الأبراج والأسوار والهياكل الأخرى، حيث يعتبر العديد منها ممتلكات ثقافية هامة مُعتبرة. ويقع المجمع القلعي على قمة تلة (هيمي ياما) على ارتفاع 45 مترًا ويهيمن على المناظر الطبيعية المحيطة، حيث تتداخل أسقف وتجاويف الهياكل لتقدم للمشاهدين إطلالات مختلفة تبعًا لزاوية الرؤية.
الجدران الخارجية للأبراج الثانوية والممرات، بالإضافة إلى فواصل ألواح السقف مغطاة بنوع من الجص الأبيض يُسمى ”شيرو شيكّوي“ والذي يحمي القلعة من الحرائق بالإضافة إلى إضفاء جمالية على البناء. ومنذ إكتمال قلعة هيميجي في شكلها الحالي في بداية فترة عصر إيدو المبكرة، لم تتعرض لهجوم أو أية أضرار ناتجة عن الحرائق، وبالتالي ظلت عبر العصور بحالة سليمة نسبياً.
إلا أنها تعرضت لبعض المخاطر. فخلال فترة الإطاحة العنيفة بالشوغنات في منتصف القرن التاسع عشر، أطلقت القوات الموالية للإمبراطور طلقتي مدفع على القلعة، ولكنها نجت من ضربات أخرى بعد أن تخلت القوات الشوغونية الحاكمة المحتلة عن السيطرة عليها بشكل سلمي. كذلك نجت قلعة هيميجي من الدمار في الحرب العالمية الثانية رغم القصف المكثف للقوات المتحالفة الذي دمر المدينة المحيطة بها. كما أظهرت مرونة مذهلة أيضاً أمام الهزات الأرضية المتكررة التي تضرب اليابان، بما في ذلك تجنب الأضرار الكارثية في زلزال هانشين-أواجي الكبير المدمر في عام 1995.
أهمية تاريخية
بدأت قلعة هيميجي كحصن بسيط تم بناؤه من قبل محارب الساموراي أكاماتسو نوريمورا في بداية حقبة عصر موروماتشي (1333-1568). وقام سادانوري ابن نوريمورا، بتوسيع الحصن ليصبح قلعة، وقام أعضاء آخرون من عائلة أكاماتسو بإضافة أجزاء إلى البناء. وقد وقعت القلعة آنذاك المعروفة باسم هيمياما جو تحت سيطرة العديد من العائلات مثل كوديرا ولاحقًا عشيرة كورودا، قبل أن يتم التنازل عنها في نهاية المطاف للقائد الحربي تويوتومي هيديوشي في عام 1580. وباستخدام تقنيات معمارية حديثة، قام هيديوشي بتحصين القلعة بما في ذلك بناء الحواجز الحجرية والأبراج والبرج الرئيسي ذو الثلاثة طوابق. وكانت هذه هي الفترة التي أصبحت فيها القلعة معروفة بإسم هيميجي جو.
وبعد انتصاره في معركة سيكيغاهارا في عام 1600، عين توكوغاوا إيياسو صهره، الإقطاعي إيكيدا تيروماسا، سيدًا على القلعة. وقام إيكيدا بتوسيع العمل الذي قام به سابقوه، وأضاف برجًا ومكونات أخرى لتعزيز الدفاعات والعنصر الجمالي للقلعة. وتم الانتهاء من البناء في عام 1609، مما أعطى قلعة هيميجي شكلها الحالي.
وقد تم إجراء إصلاحات وتجديدات من قِبل الحكام اللاحقين، بما في ذلك تجديد ساحة القلعة الغربية (نيشينومارو) وتعزيز الأرضيات والأعمدة في البرج الرئيسي. إلا أنه تم إصدار أمر شوغوني بعد الحصار الثاني لأوساكا في عام 1615 يحظر على الإقطاعيين توسيع القلاع، إضافة إلى إلزام سادة الأقاليم بالاقتصار على قلعة واحدة في كل إقليم، مما أدى إلى هدم حوالي 400 برج قلاعي في جميع أنحاء البلاد. وقد ضمنت هذه القيود بأن تكون قلعة هيميجي المجددة حديثًا واحدة من آخر الحصون الكبيرة التي تم بناؤها في اليابان، وظل إرثها يتنقل عبر العصور كمثال مشرق لهندسة القلاع في تلك الفترة.
وقد تم تسجيل قلعة هيميجي كموقع للتراث العالمي لليونسكو في عام 1993 تقديراً لأهميتها الثقافية، وهي أول قلعة يابانية تنال هذا الشرف. وقد انضمت إليها قلعة نيجو في كيوتو في عام 1994 وقلعة شوري في محافظة أوكيناوا في عام 2000، إلا أن كلتاهما تم تضمينهما ضمن قائمة أوسع للمعالم التاريخية بدلاً من تسجيلهما بشكل فردى، كما حدث مع قلعة هيميجي.
قعلة صعبة الاختراق
يكشف المدخل المعقد إلى القلعة عن دفاعاتها الصلبة. ومفتاح هذه الدفاعات هو تكوين حلقات دفاعية متراكبة من ”الكوروا“، وهي ساحات محاطة بجدران قوية من الحجر والجص، وممرات ضيقة متعرجة تحتوي على ثقوب منتظمة تسمى ”هازاما“ لاطلاق النار على المهاجمين المحتملين.
جدران القلعة تختلف نوعيتها إلى حد ما اعتمادًا على الفترة التي تم بناؤها فيها، حيث يرجع معظمها إلى فترات حكم إيكيدا و هيديوشي، أو هوندا تاداماسا. وتحكي الأسطورة أنه عندما كان هيديوشي يقوم ببناء البرج الرئيسي، لم يكن لدى البنائين ما يكفي من الحجارة لإكمال العمل. فلجأ الحاكم إلى سكان المدينة المحيطة بالقلعة، مطالبًا إياهم بتسليم أي حجارة يملكونها. واستجابت امرأة فقيرة ومسنة للنداء وقدمت حجر طاحونة قديم ومستعمل. تأثر هيديوشي بهذه اللفتة وقرر وضع الحجر، الذي أصبح يُعرف باسم أوباغايشي، في مكان مُميز عند قاعدة البرج الرئيسي. وقد انتشرت القصة بسرعة بين الناس، الذين تأثروا بتلك اللفتة وجلبوا حجارة كثيرة الأمر الذي أتاح إتمام العمل.
ومن جهة غرب فناء (بيزنمارو) يوجد مثال جيد على أسلوب الجدران الحجرية (أوغينوكوباي) التي بُنيت بواسطة إيكيدا تيروماسا. ويبدأ هذا الهيكل الحجري بقاعدة عريضة وترتفع بشكل حاد، ثم تنحسر تدريجيًا بالقرب من القمة لتعطي الشكل العام للمروحة المفتوحة (أوغي). وهذا الشكل الذي يتدلى له جماليته، بينما تصميمه الحذر يجعل بدوره الجدار صعب التسلق. وتلك التقنيات الدفاعية المحسوبة بعناية منحت قلعة هيميجي سمعة بأنها غير قابلة للاختراق.
قلعة على التلة
الجزء الأكثر جمالًا في قلعة هيميجي هو البرج الرئيسي. ويوجد اعتقاد شائع فيما يتعلق بالقلاع اليابانية بأن سادة الساموراي كانوا يعيشون في البرج الرئيسي. لكن هذا الأمر كان ينطبق فقط في حال تعرض القلعة للهجوم. إلا أن الإقطاعيين كانوا يعيشون في أماكن أكثر راحة تقع أسفل البرج الرئيسي. وفي قلعة هيميجي، كانت هذه الأماكن في الفناء الثالث (سانومارو) والفناء الغربي (نيشينومارو)، ولكن للأسف لم يتبقى من هذه المباني أي شيء حتى يومنا هذا.
تصبح أرضيات القلعة أضيق بشكل تدريجي كلما ارتفعت، حيث يوفر الطابق العلوي إطلالة بانورامية على أراضي القلعة والمدينة المحيطة. ويوجد في الطابق العلوي للقلعة مزار صغير، معبد أوساكابي. ويمكن للزوار أيضًا مشاهدة أعلى العمودين الرئيسيين الخشبيين، وهما هيغاشي-أوهاشيرا و نيشي-أوهاشيرا (العمود الشرقي والعمود الغربي). ويبلغ طول كل منهما 24,6 مترًا، وقد دعما القلعة لمدة 350 عامًا. ويمكن رؤية العديد من الـ (شاشيهوكو) من نافذة القلعة، وهي مخلوقات برأس نمر وجسم سمكة ويُعتقد أنها تحمي القلعة من الحرائق والكوارث الأخرى.
استكشاف مجمع القلعة الواسع والمناطق المجاورة يتطلب الوقت ولكنه يوفر فرصًا غنية لاستكشاف العمارة التقليدية وغيرها من الكنوز الثقافية. أما بالنسبة للمناظر الجمالية الموجودة حول القلعة فتشمل حديقة كوكوإين اليابانية الرائعة والحديقة التذكارية شيروتوبيا التي توفر إطلالات مميزة لمشاهدة القلعة.
قلعة هيميجي
- العنوان: محافظة هيوغو، مدينة هيميجي، 68 حي هونماتشي
- مواعيد الدخول: من الساعة 9 صباحًا حتى الساعة 5 مساءً (آخر موعد للدخول الساعة 4 مساءً، يتم تمديده حتى الساعة 5 مساءً من الأول من يونيو/ حزيران حتى 24 سبتمبر/ أيلول)
- العُطل: 29 و 30 ديسمبر/ كانون الأول
- رسوم الدخول: العامة بـ 1000 ين، تلاميذ المرحلة الابتدائية والمتوسطة والثانوية 300 ين ياباني
- طريق الوصول: على بُعد 15 دقيقة سيرًا على الأقدام من محطتي جي آر هيميجي و سانيو هيميجي. وعلى بُعد 5 دقائق سيرًا على الأقدام من محطة الحافلات (هيميجي جو أوتيمون ماي) على خط الحافلات شينكي.
(النص الأصلي نُشر باللغة اليابانية، والترجمة من اللغة الإنكليزية. التقرير والمادة النصية والصور من قبل فريق عمل. Nippon.com)























