الحانات توسع سوق الويسكي
الحانات المعروفة في اليابان باسم سناكّو (”snack“) ازدهرت من فترة السبعينات حتى التسعينات. تقدم هذه المحال المريحة، غالبا ما يتم الجلوس على كراسي مرتفعة أمام منضدة مثل البارات، المأكولات الخفيفة وكذلك الكحول وتتميز بالمضيفات للترفيه عن الضيوف. لعبت حانات ”الوجبة الخفيفة“ دورا رئيسيا في توسيع استهلاك الويسكي. من هنا انتشرت خدمة حفظ زجاجة المشروبات الروحية الخاصة حيث يمكن للزبائن شراء المشروب المفضل لديهم وحفظها من قبل الحانة من أجل الزيارات المستقبلية. وجد مصنعو الويسكي من خدمة حفظ الزجاجة وسيلة مريحة لأعمالهم، ووجود هذه المحال الأساسية التي تبيع منتجاتها سهل من بناء الوعي بالعلامة التجارية وتوفير دعم المبيعات.
وقد شجعت الشركات المصنعة التحول إلى منتجات من الدرجة العليا داخل نفس فئة الويسكي من خلال تقديم العديد من العلامات التجارية بأسعار متفاوتة. وكان شرب ويسكي أغلى من الآخرين باعتباره شكلاً من أشكال الاستهلاك الواضحة. على الرغم من أن زبائن حانات الوجبة الخفيفة بالطبع يدفعون الفاتورة، لم يكن السبب حقا وراء ذهابهم هناك متعلق بتناول الطعام أو المشروبات بل بالأحرى كانوا يذهبون هناك للحصول على الخدمات من الماما (صاحبة الحانة) والمضيفات. في السبعينات، تمثلت هذه الخدمات في الغالب بالحديث مع الزبائن ولكن أضيف إليها الغناء والرقص مع ظهور الكاراوكي في الثمانيات. شرب المشروبات باهظة الثمن في حانات الوجبة الخفيفة كان وسيلة لإشباع رغبة الزبون بجذب الاهتمام إليه، وهذا يعني أن عددا قليلا من الناس ذهبوا لاستكشاف الويسكي من النكهات المختلفة في نفس النطاق السعري.
اتساع الخيارات من الويسكي
شهدت فترة الثمانيات فصاعدا ظهور أنواع جديدة من المحال مثل المقاهي والبارات ”cafe bars“ وحانات الجرعة ”shot bars“، حيث يمكن للعملاء الاختيار من بين مجموعة واسعة من الويسكي التي يتم تقديمها على شكل جرعة أو تخلط في الكوكتيلات. ازدادت شعبية ويسكي البوربون وخاصة بين جيل الشباب، وبدأت المشروبات الكحولية الغربية الأخرى المتاحة للجمهور بالتنوع أيضا. ويعود السبب في هذا جزئيا لظهور الواردات الموازية، مما قوض النظام القائم في اليابان المتمثل بوكلاء استيراد حصريين يتحكمون بالأسعار.
وبدأ يباع الويسكي سكوتش القياسي بأسعار مخفضة مما أدى إلى هبوط قيمة العلامة التجارية وتآكل حصتها في السوق. وفي الوقت نفسه، توسعت لفترة مؤقتة قاعدة مستهلكي الويسكي سكوتش النخبوي. ولكن هبطت الأسعار، وبالتالي القيمة المتصورة، وفي النهاية لم تعد مرغوبة في سوق الهدايا، وتراجعت المبيعات في اليابان.
وبالتالي فإن سوق الويسكي تقلص نتيجة لانخفاض الأسعار، وتحدي منطق التسويق القياسي. مع فقدان سوق الويسكي من الدرجة الممتازة، توجهت الصناعة لإعادة هيكلة نفسها حول القيم القائمة على التفضيل، مثل النكهة والرائحة، كما يتضح من ويسكي الشعير.
التسلسل الهرمي في المجتمع الياباني
في العقود التي سبقت فترة الثمانيات عندما كان يشرب الويسكي على نطاق واسع كخيار للعديد من اليابانيين، كانت العلامات التجارية للويسكي عبارة عن رموز للوضع الاجتماعي والأيديولوجية، والجوانب الأخرى لمن يشربها. كان عليه الحال بالنسبة للأفراد أن يصعدوا سلم العلامات التجارية طردا مع ارتفاع دخلهم المادي: على سبيل المثال، من سنتوري ريد (Red) إلى سنتوري وايت (White) إلى سنتوري أولد (Old) إلى ريزيرف (Reserve). وعلاوة على ذلك، فإن اختلاف العلامات التجارية لا يعني دائما اختلافات في التسلسل الهرمي. كان هناك المزيد من الويسكي الفريد من نوعه بالنسبة للمفكرين، مثل علامة سنتوري التجارية Kakubin، وويسكي من شركة نيكا، وويسكي البوربون، والتي سمحت لشاريبها التعبير عن ذاتهم اعتمادا على ما يشربونه. كل هذا يثبت أن لدى الويسكي أهمية اجتماعية كبيرة لليابانيين في ذلك الوقت.
وهذا ما يفسر الحملات التسويقية التي أطلقتها شركة سنتوري على مر السنين للوصول إلى أجيال مختلفة في المجتمع الياباني. الشركة، التي سعت للمساهمة في المجتمع بطرق عديدة، كانت شركة ثقافية، وليس مجرد منتج للمشروبات الكحولية الغربية. وفي بداية الثمانينات، كانت الشركة تتمتع بشعبية بين طلاب الجامعات، كأكثر مكان مرغوب للعمل فيه.
ومع ذلك، فإنه يمكن القول إن سوق الويسكي انتشر بصفته عنصرا ثقافيا أكثر من كونه قائم على اختلافات في النكهة والرائحة بين العلامات التجارية الحالية. ومنذ أن أصبح لكوكتيل chūhai شعبية في أوائل الثمانينات، توقفت موجة الصعود في سوق الويسكي العام.
ظهور الهاي بول
بعد عدة سنوات من الترويج لكوكتيل الويسكي أو الهاي بول (ويسكي ومياه غازية)، نجحت سنتوري في نفث حياة جديدة في سوق الويسكي. لقد خصصت قدرا كبيرا من الوقت والجهد في تعليم الحانات وصفة الهاي بول الخاصة بهم، بما في ذلك كمية الكحول ودرجة الحرارة، للوصول لأقصى قدر من طعم الويسكي. ونتيجة لذلك، كانت سنتوري قادرة على خلق سوق جديدة من الجمهور التقليدي المستهدف للويسكي.
كان هناك دائما مجموعة معينة من الناس التي لا تحب الطعم الحلو لمشروب chūhai. ما أرادته هذه المجموعة هو مشروبات منخفضة الكحول، جافة، مشعشعة ومنعشة لا يضجر المرء من شربها، وهنا كان كوكتيل الويسكي أو الهاي بول يناسب هذا الذوق. وقد جلب هذا الطلب في سوق ويسكي عملاء جدد، قدموا كمستهلكين لأسواق المختلفة، بما في ذلك مشروبات البيرة وchūhai.
ولكن هذه القاعدة الاستهلاكية الجديدة تكون محدودة لاستخدامها الويسكي في الهاي بول. حملهم على شرب الويسكي في حد ذاته هو فصل آخر على الطريق. ودفع هؤلاء القادمين الجدد بنجاح إلى طرق أكثر أصالة للاستمتاع بالويسكي سيكون أساسيا في زيادة تعزيز السوق الكلي للويسكي.
(عنوان الصورة: داخل بار TORYS، حوالي عام ١٩٥٥. الصورة مقدمة من سنتوري).
(*1) ^ كان يعرف سنتوري أولد باسم Kuromaru، ويعني بالعربية ”الكرة السوداء“، في إشارة إلى زجاجته المدورة السوداء.

