خصائص حالات إساءة معاملة الأطفال في اليابان
وإذا قمنا بتقييم الوضع باستثناء عدد حالات الإيذاء النفسي من عدد الحالات الكلي للتقرير الحالي، فسيكون الرقم العام لدينا لحالات سوء معاملة الأطفال هو ٥٤ ألف و٥٦٧ حالة، وعند حساب وتقييم نسبة كلا من التصنيفات الثلاثة الأخرى منه، نجد أن الإيذاء الجسدي هو الأعلى بنسبة ٥٤.٥٪، ونسبة الإيذاء بالتجاهل هي ٤٤.٨٪، وتكون نسبة الإيذاء الجنسي ٢.٨٪. وإذا ما قارننا هذه النسب مع بيانات الولايات المتحدة المذكورة أعلاه، نجد أن من خصائص حالات إساءة معاملة الأطفال في اليابان كثرة الإيذاء الجسدي في مقابل قلة الإيذاء بالتجاهل والإيذاء الجنسي.
وهذا لا يعبر بالضرورة عن الوضع الحقيقي، وإنما يمكننا فهمه بأنه يعكس الاستهانة بحالات الإيذاء بالتجاهل والإيذاء الجنسي تجاه الأطفال. وفي خلفية ذلك يمكن تخمين وجود معرفة مغلوطة بأن الاعتداء بالتجاهل تقريبا لا يؤدي في كثير من الحالات إلى الموت. كما أنه يعكس أيضا قلة الوعي لدى العاملين بالمؤسسات التي تتعامل مع هذا النوع من سوء معاملة الأطفال. لكن عندما نضع في الاعتبار أن الإيذاء بالتجاهل بشكل مستمر يصل أثره إلى ما هو أعمق كالتعرض لخطورة الإصابة بمرض الفشل غير العضوي في النمو (NOFTT) وغيره، فإنها بالتأكيد تكون ليست بقضية يمكن التغاض عنها.
كذلك في اليابان تكون غالبية الحالات التي يتم الإبلاغ عنها كاعتداء أو إيذاء جنسي لا تكون للأطفال قبل سن المراهقة وإنما تكون للأطفال الذين تجاوزوا سن المراهقة. ويمكننا التفكير في وجود نظرة مسبقة مغلوطة حتى لدى المتخصصين بأن ”من يتعرض للاعتداء الجنسي هي الفتيات بعد سن المراهقة“، وهذا يمثل عائقا للفهم الصحيح لمشكلة الاعتداء الجنسي.
ما تشير إليه الزيادة الهائلة في البلاغات
بالرغم من أن الإحصاءات الخاصة بسوء المعاملة والاعتداءات تجاه الأطفال في اليابان تحتوي على المشكلات المذكورة أعلاه، إلا أنه في عام ١٩٩٠، حيث تم عمل أول إحصاء، كانت عدد الحالات المبلغ عنها حوالي ألف حالة وبمرور ٢٥ عاما تخطى هذا العدد المئة ألف حالة مما يحتم علينا ضرورة التنبه لما وراء هذه الزيادة الهائلة. وهناك سببين يشار إليهما على خلفية هذه الزيادة أولهما هو تغيّر الوعي العام.
في الماضي، كانت الأولوية في التعامل مع العنف الأسري بكونها مشكلة خاصة داخل الأسرة لا يتدخل فيها المجتمع. لكن مؤخرا قد تغير الوضع وأصبح المجتمع الخارجي يتدخل في قضايا العنف الأُسَري حتى وإن كانت المشكلة خصوصية داخل الأسرة. وقد أدى مثل هذا التغير الاجتماعي إلى سن قانون عام ٢٠٠٠ لمنع سوء المعاملة والاعتداء على الأطفال. كما أن تطبيق هذا القانون ساعد في تغيير وعي المواطنين ويمكن القول إنه قد انعكس بدوره على زيادة عدد حالات إساءة معاملة الأطفال المبلغ عنها. ولكن يبقى من الصعب الوقوف عند هذا السبب فقط لتفسير مثل هذه الزيادة الهائلة.