منتج ذو تاريخ فريد
كونو: يتتبع كتابك أيضاً تطور اللغة اليابانية المكتوبة بقدر كبير من التفصيل. تاريخياً، نشأت اليابان في ظل الصين، وهي حضارة عظيمة تعتبر نفسها مركزاً للكون، ولكن بمصادفة جغرافية سعيدة، تجنبت اليابان أن تصبح ولاية تابعة للصين. طور اليابانيون نظاماً لترجمة النصوص الصينية إلى اللغة اليابانية، واخترعوا الكتابة المقطعية الخاصة بهم والمعروفة بـ”الكانا“، والتي باستخدامها سطروا تقاليداً أدبية فريدة ومميزة لأنفسهم. تمكنت اللغة اليابانية من الظهور كلغة وطنية في عملية متوازية مع ولادة اليابان كدولة قومية حديثة في عصر ميجي (١٨٦٨-١٩١٢). أنت تقدمين تفسيراً واضحاً جداً لهذه العملية.
ميزومورا: هناك عنصر آخر يجب أن نأخذه في الاعتبار هو الاقتصاد الرأسمالي الذي برز خلال فترة إيدو (١٦٠٣-١٨٦٨). فإلى جانب حصول اليابان على تكنولوجيا طباعة الكتب خلال هذه الفترة، فقد كانت لديها أيضاً تجارة نشطة للغاية بين الشوغونية والإقطاعيات الريفية وكذلك فيما بين الإقطاعيات وبعضها، مما أعطى الفرصة للاقتصاد الرأسمالي ليصبح متطوراً جداً، وهو ما يعد شيئاً غير عادي بالنسبة لدولة ليست من الدول الغربية في تلك الأيام. ساهمت هذه التطورات إلى انتشار المعرفة بالقراءة والكتابة، وكانت النتيجة أن اليابان كانت تتباهى بأن لديها واحداً من أعلى معدلات المعرفة بالقراءة والكتابة في العالم في ذلك الوقت من إصلاح ميجي (١٨٦٨). وكانت هذه هي الظروف التاريخية التي سمحت لظهور لغة وطنية بشكل سريع في اليابان.
لكن اليابانيون يتعاملون مع لغتهم باعتبارها أمراً مسلماً به. إنهم لا يفهمون التاريخ الفريد الذي ساعد على إنتاجها، لذلك لا يمكنهم حقاً إدراك كم أنهم محظوظون بها، في ذلك التاريخ المبكر، أن تمتلك دولة مثل اليابان وهي دولة غير غربية لغتها الوطنية التي يمكن أن تستخدمها للمنح الدراسية ولكتابة الأدب الحديث، قد يبدو كلامي متغطرسا بعض الشيء، ولكن يبدو لي أن اليابان استطاعت بذلك أن تقدم نموذجاً للدول غير الغربية التي تكافح من أجل إنشاء لغاتها الوطنية الخاصة بها، وكذلك تعزيز الشعور بالتضامن مع البلاد الأخرى التي تكافح للحفاظ على اللغة الوطنية الموجودة لديها بالفعل.
كونو: يقسم كتابك اللغات إلى ثلاث فئات وظيفية. أولاً هناك ”اللغة المحلية“. وهذه هي لغة الحديث المستخدمة بشكل أساسي من قبل سكان منطقة معينة. ثم هناك ”اللغة الشاملة“، وهي اللغة التي يمكنها إيصال المعرفة العالمية والأفكار. مثل اللغة اللاتينية في العصور الوسطى. في وقت ما كانت اللغة الفرنسية لغة عالمية أيضاً. ولكن اليوم تعزز اللغة الإنكليزية من سيطرتها باعتبارها اللغة الشاملة المهيمنة بشكل ساحق على مستوى العالم. ثالثاً تأتي ”اللغة الوطنية“. وتبرز اللغة الوطنية عندما يتم تطوير العامية المحلية إلى لغة مكتوبة، عادة ما يحدث ذلك من خلال جهود الناس المتحدثين للغتين لردم الهوة بين لغتهم المحلية واللغة العالمية. أعتقد أن هذا هو التصنيف الخاص بك باختصار. وجهة نظرك كما أفهمها هي أن السبب وراء إنتاج الأدب الياباني الحديث للعديد من الروائع هو أن اليابانية قد تمت ترقيتها إلى لغة وطنية غنية كما نراها الآن.
ميزومورا: دائماً ما يظهر الكتاب اللامعون في الفترة التي تبرز فيها لغة وطنية. فقد تزامن ظهور الكاتبات العظيمات من فترة هيّان (٧٩٤-١١٨٥)، على الساحة مع تطور أدب ”الهيراغانا“، وحدث شيء مماثل في عصر ميجي. في مرحلة إصلاح ميجي، لم يكن هناك وجود لليابانية كما نعرفها. لو لم تنج اليابان من الاستعمار، لسيطرت لغة القوى الاستعمارية الغربية كلغة شاملة ولتراجع دور اللغة اليابانية لتكون مجرد لغة محلية. لكن اليابان حافظت على استقلالها، وبمساعدة ترجمات قام بها فوكوزاوا يوكيتشي (Fukuzawa Yukichi) وكثيرون غيره من العلماء الذين يجيدون لغتين ، تحولت اليابانية إلى لغة مستحقة لدولة قومية حديثة، لغة سمحت لليابانيين بالتفكير في نفس الأشياء التي يفكر فيها معاصروهم في أجزاء أخرى من العالم. لقد نضجت إلى لغة وطنية كانت أيضاً دولية في نطاقها. وعلاوة على ذلك، فمن خلال نضجها إلى لغة وطنية تبدو وكأنها أعطت صوتاً للروح اليابانية نفسها، فقد عملت على تمكين سوسيكي وغيره من الكتاب اليابانيين العصريين من إنتاج روائعهم واحدة تلو الأخرى. أرى ظهور الأدب الياباني الحديث في هذا العالم منذ أكثر من مائة عام كنوع من المعجزة.