مواجهة عدم التماثل
كونو: تركت عالم اللغة اليابانية منذ أن كنت في الثانية عشرة وعشت في مجتمع ناطق باللغة الإنكليزية لسنوات عديدة. ولكنك عدت إلى عالم اليابانية لكتابة رواياتك. فما هو السبب الرئيسي وراء ذلك؟
ميزومورا: منذ طفولتي كان حبي الكبير هو الأدب الياباني الحديث. وكان حلمي أن أكتب بهذه اللغة وأن أشارك في هذا العالم.
من سخرية القدر، أنه في الوقت الذي كنت على وشك الانتهاء من روايتي الأولى، ”متابعة: النور والظلام“ (Light and Darkness Continued)، بدأت في الواقع أدرك حقيقة أن اليابانية لغة ثانوية، ومع نمو هذا الإدراك، بدأت أشعر بالندم لأني لم أصبح كاتبة باللغة الإنكليزية. ومع ذلك، إذا نظرت حول العالم، فإن الغالبية العظمى من الناس لا تدعي أن اللغة الإنكليزية هي لغتهم الأم أو لغتهم الأولى. لذلك، فقد جددت عزمي بأن أعيش حياتي ككاتبة على الجانب الغير ناطق باللغة الإنكليزية من السياج. ولكني لم أكن أبداً من دون مشاعر مختلطة حيال هذا الأمر.
بالعودة إلى ما كنت أتحدث عنه سابقاً، فأنا أعتقد أن الاتجاه إلى جذب الأفضل والألمع من جميع أنحاء العالم إلى عالم اللغة الإنكليزية سوف يزداد حدة. أينما يعيش الناس، سوف يستخدمون الإنكليزية للقراءة والكتابة بشكل متزايد، وسوف تتسارع هجرة العقول اللغوية. مائة عام في مثل هذا العصر، هل يمكننا أن نتوقع من الناس الذين سلكوا طريق هجرة العقول هذا أنهم سوف يرغبون في العودة إلى القراءة والكتابة باللغة اليابانية، أو أن اللغة اليابانية سوف تستمر في انتشارها بنفس المستوى الذي كانت عليه منذ قرن مضى؟ أنا لست متفائلة.
ما أود أن أؤكد عليه بشكل خاص هو احتياج نظام التعليم لدينا إلى تنشئة قراء أقوياء. فعلى سبيل المثال، عاش سوسيكي في بريطانيا لفترة من الوقت، لكنه كان قادراً على العودة إلى عالم الأدب الياباني في ثقة منه أن هناك مفكرين قادرين على فهم كتاباته بشكل كامل.
نحن اليابانيون محظوظون لأننا لسنا في حاجة لأن نعود طريقاً طويلاً إلى الوراء وصولاً إلى القرن الحادي عشر حكاية غينجي (Genji monogatari) للعثور على الكلاسيكيات الأدبية في لغتنا. بالتأكيد، إنه لأمر رائع أن لدينا كلاسيكيات مثل غينجي، ولكن لأن اللغة اليابانية قد تغيرت بشكل كبير جداً عبر القرون الفاصلة، لا سيما في عصر ميجي، فإنه من الصعب على أي شخص إن لم يكن عالماً قراءة غينجي في هذه الأيام. لكن في اليابان لدينا أيضاً الأدب الحديث. الأعمال الأدبية المنتمية لعصور ميجي، تايشوو (١٩١٢-١٩٢٦)، وأوائل شووا (١٩٢٦-١٩٨٩) هي كلاسيكيات سلسة سواء من حيث لغتها أو نظرتها إلى العالم، ولا تحتاج إلا القليل من الجهد لقراءتها. من بين البلدان غير الغربية في العالم، فإن اليابان بالفعل محظوظة لامتلاكها مثل هذا الكم من الكلاسيكيات الأدبية.
كونو: ما الذي كنت تقصدينه بحديثك عن قرارك بأن تعيشي حياتك ككاتبة بغير الإنكليزية ؟
ميزومورا: غالباً ما أجد نفسي أتساءل ما إذا كان الشعب الياباني اليوم يرى اليابان فعلاً. ربما كان السبب هو ميل المجتمع الياباني بعد الحرب إلى رفض ماضينا، ولكن يراودني إحساس، بأنه بقدر ما تشعر به النفس اليابانية، فإن هذا البلد هو أكثر قليلاً من كونه مجرد أمة تابعة للولايات المتحدة. يبدو لي أن الرواية لدينا هي رواية أمريكية في هيكلها مع قشرة يابانية رقيقة. أتساءل عما إذا كان الشعب الياباني يرى عدم التماثل بين هاتين الدولتين المختلفتين إلى حد كبير، اليابان والولايات المتحدة. بالنسبة لي، الحاجة إلى قضاء حياتي ككاتبة باللغة اليابانية تعني مواجهة عدم التماثل هذا وجهاً إلى وجه، وبذل قصارى جهدي لفهم هذا الواقع الذي لا يبدو أن معظم اليابانيين قادرون حتى على رؤيته.
ومن المهم أيضاً تقديم منظور محلي غير إنكليزي، كبديل للواقع الذي تقدمه الكتابة باللغة الإنكليزية. أفلام أوزو ياسوجيروو (Ozu Yasujirō) هي مثال جيد. فلم يكن يصنع أفلامه وهو يضع نصب عينيه أن تكون موضع تقدير من قبل الأجانب. لكنها تقدم صورة نابضة عن الحياة اليابانية، مما يجعلها مثيرة للاهتمام للمشاهدين من غير اليابانيين، الذين يشاهدونها ويرون عالماً ما كانوا يعلمون بوجوده. لا يمكننا الحديث عن الأدب بنفس الشروط التي تنطبق على الفيلم، لكن وجهة نظري هو أنه من المهم أن نستخدم اللغة اليابانية لتصوير الواقع الخاص باليابان.
على أية حال، الشيء المهم هو ألا تعمينا العولمة ولكن ينبغي أن نستخدم اللغة اليابانية لتصوير واقع الحياة اليابانية من خلال اللغة اليابانية. تلك، كما يبدو لي، هي مهمتنا ككتاب يابانيين- أناس أنعم علينا القدر منذ وقت مبكر بأن تكون لدينا لغتنا الوطنية الخاصة بنا.
(مترجم عن مقابلة أجريت باللغة اليابانية في يناير/ كانون الثاني عام ٢٠٠٩. أجرى المقابلة كونو ميتشيكازو (Kōno Michikazu) وهو رئيس التحرير السابق لمجلة تشووأو كوورون (Chūō Kōron).