الأطفال وحلقة الفقر

وضع الحزب الديمقراطي الياباني عدة سياسات جديدة لمعالجة هذه المشكلة، شملت وضع بدل الطفل الشامل والإعفاء من الرسوم الدراسية خلال المرحلة الثانوية. لكن في عام ٢٠١٢، وعقب زلزال شرق اليابان الكبير، عاد الحزب الليبرالي الديمقراطي إلى السلطة. ومع حلول ذلك الوقت، كشفت دراسات مختلفة وأبحاث وسائل الإعلام عن الحقيقة المريرة للفقر بين الأطفال في اليابان. فقد كان الفقراء موجودين في كل مكان، ولم يعد من الممكن تجاهل التداعيات المقلقة من وضعهم.

وتجدر الإشارة أن وزارة التربية والتعليم، الثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا أصدرت عام ٢٠٠٩ دراسة أظهرت وجود ارتباط وثيق يتعلق بالأداء الأكاديمي للأطفال اليابانيين كما قيس بين أولئك الأطفال الاختبار الوطني للتحصيل الذي يجري لطلاب الصف السادس، وما يتعلق بدخل آباءهم. علما بأن علاقة هذه الأمور معروفة في بلدان أخرى، ولكن في اليابان، مع الافتراضات منذ وقت طويل بوجود تكافؤ الفرص ومجتمع لا طبقي، فقد استقبل المعنيون بالمر بما فيهم موظفين عموميين ومعلمين هذه النتيجة الواضحة بالصدمة والمفاجأة.

لقد تسببت ورقة بحثية لي من عام ٢٠١٠ تتضمن تفاصيل العلاقة بين لدخل الأسرة وصحة الأطفال في أحداث موجة عارمة من الذعر. كما أفادت أيضا بحوث حديثة بأن السمنة في مرحلة الطفولة تميل إلى أن تكون أكثر انتشارا بين الأسر ذات الدخل المنخفض في اليابان، وفي أماكن أخرى. وقد أجبرت هذه وغيرها من الدراسات التي نشرت في السنوات الأخيرة اليابانيين إلى الاعتراف بحقيقة أنه حتى في مجتمعهم حيث لا يفترض وجود طبقات اجتماعية، فإن للتفاوتات المتزايدة في دخل الأسرة يترك انطباعات غير محمودة وانعكاسات عميقة على الأطفال.

وقد سلطت أقوال مدعومة بالأدلة من مهنيين يعملون مباشرة مع الأطفال مزيدا من الضوء على تأثير الفقر وخاصة عن أطباء الأطفال يتحدثون عن آباء وأمهات يفشلون في متابعة برامج علاج أطفالهم بسبب الفواتير المرتفعة أو يطلبون عدم أخذ أطفالهم إلى المستشفى حتى عندما يمرضون في المدرسة. ويتحدث المعلمون عن تمريرهم خلسة للحلوى أو علب ما تبقى من الحليب في علب الكرتون للطلاب الذين يأتون إلى المدرسة بدون إفطار وغير قادرين على التركيز في الدروس الصباحية. وكانت هناك تقارير عن أطفال يصابون بالنحافة خلال عطلة الصيف، حيث لم يعودوا قادرين على الاستفادة من وجبات الغداء المدرسية. ويرجع الفضل في جزء كبير من ذلك إلى التغطية الإعلامية حيث أدرك الناس أخيرا أن الفقر بين الأطفال يُشكّل بدَورِه مشكلة اجتماعية خطيرة في اليابان.

قليلة جدا ومتأخرة جدا

في عام ٢٠١٣، وكاستجابة لهذا الوعي المتزايد، أقر البرلمان بالإجماع قانون فقر الطفولة، والذي دعا إلى اتخاذ تدابير غير محددة لمكافحة هذه المشكلة. وفي عام ٢٠١٤، اتخذ مجلس الوزراء الخطوة الثانية وهي الموافقة على مجموعة من المبادئ التوجيهية بشأن التدابير الرامية إلى مكافحة فقر الطفولة وذلك في ابتعاد حاد عن المواقف السائدة حتى الآن، والتي جعلت المبادئ التوجيهية من المدارس المنصة الرئيسية لتنفيذ تدابير مكافحة الفقر. أما في عام ٢٠١٥، فقد دخلت البرامج الرئيسية الأولى التي تمولها الحكومة في إطار المبادرة الجديدة حيز التنفيذ. وأطلقت حكومة رئيس الوزراء شينزو آبي مشروعاً لتعزيز استقلال الأسر ذات العائل الواحد والأسر التي لديها عدة أطفال. ويتضمن مشروع الميزانية المالية ٢٠١٦ الذي تمت الموافقة عليه في ٢٢ ديسمبر من العام الماضي مخصصات لتوسيع ”المنح الدراسية“ (قروض التعليم بدون فوائد)، ورفع بدل تربية الأطفال (إعانة نقدية للأسر ذات العائل الواحد بدخل منخفض)، وزيادة الدعم للأسر التي لديها أكثر من طفل واحد.

ولكن قد يجادل البعض ويقول بأن هذه التغييرات هي ليست سوى تحسينات تجميلية لنظام معيب على نحو جوهري. فالحكومة اليابانية لا توفر فيما يتعلق بالتعليم العالي حتى منح دراسية بالمعنى المعتاد للكلمة، ولكن هناك ما يعرف بقروض عامة فقط (التي تشير إليها بـshōgakukin). إضافة إلى أن النسبة المئوية لتكاليف التعليم العالي التي تتحملها الأسر خاصة تقف من بين أعلى المعدلات في منظمة التعاون والتنمية. أما بالنسبة لبدل تربية الأطفال، فإنّ مستوى المساعدات التي تقدمها الحكومة للأسر ذات العائل الواحد ليست كافية على الإطلاق: بحد أقصى ٤٢٠٠٠ ين شهريا لأحد الوالدين مع طفل واحد، بالإضافة إلى ٥٠٠٠ ين للطفل الثاني و٣٠٠٠ ين لأي طفل إضافي. وهكذا يكون معدل الفقر بين الأسر ذات العائل الواحد (معظمها تقريبا أسر تديرها أم بمفردها) أكثر من ٥٠٪ وذلك على الرغم من أن ٨٠٪ من الأمهات العازبات يعملن. أقل من ٢٠٪ من الأمهات المطلقات ويتلقين مدفوعات دعم الطفل من الأب، إلى حد كبير بسبب عدم وجود نظام لفرض الدفع.

وفي السنوات الأخيرة ارتفع عدد الأسر التي تتلقى مساعدات عامة لكنه ما زال يشكِّل نسبة تصل لنحو ٢٪ فقط من السكان. كما أنّ بدل الطفل الشامل هو قليل جدا لكي يكون ذي فائدة ملموسة. ولا تقدم اليابان أيا من إعانات السكن والغذاء التي وضعتها الدول الأخرى لدعم الأسر ذات الدخل المنخفض. وفي الوقت نفسه، فإنّ أقساط التأمين الاجتماعي المنظمة بشكل منكفئ (مثل التأمين الصحي الوطني) تضع عبئا غير متناسب على كاهل الفقراء.

ومع الإعراض عن إدراك الحقيقة المُّرَّة عن الفقر بسبب أسطورة المساواة في اليابان، فقد جرى أيضا إهمال تخصيص اعتمادات كافية للمحرومين اقتصاديا في النظم الاجتماعية والسياسات العامة. ولذا ابتعدت كثيرا عن مناهج دول الديمقراطيات الصناعية المتقدمة الأخرى في معالجة الفقر عموما وفقر الطفولة على وجه الخصوص. ولعل هذه مفارقة مستهجنة لإرث العصر الوجيز الذهبي حول المساواة الاقتصادية في اليابان

(المقالة الأصلية باللغة اليابانية بتاريخ ١٢ يناير/كانون الثاني ٢٠١٦ ونشرت في ٢٢ يناير/كانون الثاني ٢٠١٦. الترجمة من الإنكليزية.)