الفقر مخفي في ثقافة العار

في اليابان، بدأت أسطورة المساواة الاقتصادية في الانهيار في مطلع هذا القرن. ولكن حتى عندما أصبح واضحا أن التفاوت في الدخل يتزايد، لم يكن اليابانيون قادرين على قبول الفكرة بأن مجتمعهم الثري يعاني من مشكلة الفقر الخاصة به.

وما نتحدث عنه هنا هو ليس ”فقر مدقع“، الذي يُعرف بأنه الحرمان الشديد فيما يتعلق بالاحتياجات الإنسانية الأساسية مثل الغذاء والكساء، والمأوى. وعلى الرغم من أن هذا لا يزال يمثل مشكلة كبرى في البلدان النامية، إلاّ أن الدول في العالم الصناعي والناشئة هي أكثر تركيزا على مسألة ”الفقر النسبي“. في أي مجتمع معين، حيث يتم تعريف الفقر النسبي على أنه مستوى دخل أقل من ذلك المطلوب للحفاظ على الحد الأدنى للمستوى المقبول من المعيشة داخل ذلك المجتمع.

وجدير القول إن الفقر النسبي يمثل مشكلة خطيرة حتى في دول منظمة التعاون الاقتصادي التي تتمتع بناتج محلي إجمالي مرتفع من حيث نصيب الفرد، ومعظم الحكومات تتعامل معه على هذا النحو. كما يمكن الوصول إلى إحصاءات الفقر التفصيلية والمعلومات السياسية بسهولة على المواقع الحكومية في معظم دول منظمة التعاون الاقتصادي أما دول الاتحاد الأوروبي فتتبنى استراتيجية النمو العشرية وجعلت لأوروبا ٢٠٢٠ هدفا رقميا وهو ”تقليص ٢٠ مليون شخصا على الأقل من الفقراء أو المعرضين لخطر الفقر والاستبعاد الاجتماعي“ مع حلول عام ٢٠٢٠.

لكن اليابان بدأت في الآونة الأخيرة فقط بالتصالح مع هذه القضية، ولسنوات عدة استمر حتى صنّاع السياسات والأكاديميون بالمشاركة في أسطورة المساواة الاقتصادية. ففي الستينات توقفت الحكومة عن حفظ إحصاءات الفقر واحتساب معدل الفقر في البلاد مما جعل من الصعب قياس مدى خطورة هذه المشكلة. وعلى الرغم من أن هناك مساعدات معيشية عامة للأسر ذات الدخل المنخفض وهناك نحو ١٪ من السكان فقط ممن يحصلون على الفوائد، وبالكاد كل المستفيدين منها تقريبا هم إمّا أشخاص معاقين أو مسنين دون لمعاشات تقاعدية.

ولكن ما يقف وراء هذا المستوى المنخفض من المساعدة العامة من جانب - والفشل في الاعتراف بالحاجة إلى بذل ما هو أكثر من جانب آخر - هو حقيقة كون الفقر في اليابان يميل إلى أن يكون مخفيا بعناية. في مجتمع يتم فيه إعطاء فرص اقتصادية متساوية، ويعتبر الفقر فشلا شخصيا. وعلاوة على ذلك وجود شعور يسوده الخجل من التماس طلب المساعدات العامة بحيث ينعكس هذا كله على الأسرة بِرُّمَتِها مما يجعل الأقدام على اتخاذ مثل هذه الخطوة في غاية الصعوبة، مهما قست الظروف على المرء. ولعل هذا المعنى من الخجل يجعل الناس حذرين لدرجة تدعو لتجنب أي مظهر خارجي يدل على العوز. فمثلا قد يكون على سبيل المثال من مدعاة تألمهم ارتداء ملابس محترمة سيما أن كان ذلك يعني اقتراض المال أو التقتير على وجبات الطعام. في الماضي، إذا ما واجه شخص ما مشردين بلا مأوى وخاصة في المترو، على سبيل المثال، فإنه سرعان ما يفترض أنهم من مدمني تعاطي الكحول أو من غير الأسوياء وأنهم جلبوا على أنفسهم هذا الوضع، وليسوا ضحايا عدم المساواة الاجتماعية.

لكن هذه المواقف بدأت في التغير عام ٢٠٠٨ خلال فترة الركود الاقتصادي الناجم عن أزمة الرهن العقاري الأمريكية حيث أصبح من الواضح أن أي كسر يمكن أن يغرق أي شخص تقريبا في براثن الفقر وقد صدم الناس لمعرفة أنه حتى في بلد مع تأمين صحي شامل مفترض، كان هناك حوالي ٣٠ ألف طفل دون أي تغطية على الإطلاق. وعندما جاء الحزب الديمقراطي الياباني إلى السلطة عام ٢٠٠٩، ومُبعِدا الحزب الديمقراطي الليبرالي الذي تولى طويلا سُدّة الحكم، كان أحد أول الأشياء التي أقدم على فعلها نشر أرقام الفقر النسبية لليابان حيث وضعت هذه الإحصاءات المعدل العام لفقر الأطفال بنسبة ١٥.٧٪ وعدد الأسر بعائل فقط بنسبة ٥٠.٨٪. (واعتبارا من عام ٢٠١٢ ارتفعت هذه الأرقام إلى ١٦.٣٪ و٥٤.٦٪ على التوالي، وفقا لوزارة الصحة والرعاية الاجتماعية، والعمل).