التمييز ضد الأجانب

بعد عام ونصف، عدت إلى اليابان لأظل فيها. في السنوات الست التي تلت ذلك، تعرفت على طوكيو التي اتخذتها بيتاً لي بشكل أفضل من أي مدينة أخرى في تايوان، وما يزال حبي للمدينة يكبر يوماً بعد يوم. أنا أتحدث اليابانية بشكل جيد بما فيه الكفاية وأبدو كأي شخص ياباني لدرجة أن معظم الناس يظنونني مواطنة يابانية. في الواقع إن حياتي في طوكيو مريحة لدرجة أنني يجب أن أذكر نفسي أحيانًا أنني أجنبية. أعلم أن هذا لا يعني أن الجميع محظوظون بهذا القدر، حيث يواجه الكثيرون ممن يأتون إلى اليابان للعمل أو الدراسة ظروفًا معيشية قاسية أو يستغلهم أرباب العمل الذين يدفعون أجوراً بخسة مقابل وظائف منخفضة المهارات لم يعد اليابانيون يريدون القيام بها.

هذا لا يجعلني غريبةً تمامًا على التمييز الموجود في اليابان، فأحد المجالات التي واجهت فيها التمييز كان عندما حاولت استئجار مسكن. في عام 2018 قررت أن أستقل وأن أبحث عن مكان جديد للعيش فيه. بعد ما أقمت في السكن التابع للشركة لمدة عامين ونصف، كنت قد نسيت المعوقات التي يواجهها الأجانب عند البحث عن سكن. كانت معي الإقامة الدائمة وأجيد التواصل باللغة اليابانية بالإضافة إلى وظيفة في شركة كبرى، لكن كل هذا كان غير ذي قيمة في مقابل واقع بسيط وهو أني أجنبية. كوني لست يابانية وضعني في شريحة ”الخطرين“، مما أدى إلى أن العديد من الوكالات العقارية التي اتصلت بها رفضتني حتى قبل أن أتمكن من السؤال عن القوائم.

تمكنت في نهاية المطاف من العثور على شقة جميلة بسعر يناسبني، وكل ما كان ينقصني لإنهاء الصفقة هو وجود ضامن، ومع عدم وجود أي أقارب يمكنهم التوقيع معي اضطررت إلى اللجوء إلى شركة لتضمنني، وهي شركات موجودة بكثرة في اليابان، لكنني صدمت عندما علمت من الوكالة العقارية أنه لا يمكنني استخدام نفس الشركة كسائر العملاء اليابانيين، لكن بدلاً من ذلك كان عليّ التوجه إلى شركة متخصصة في التعامل مع المستأجرين الأجانب. وإمعاناً في إهانتي، كانت رسوم خدمات تلك الشركة ضعف ما تفرضه الشركة التي تتعامل مع ”اليابانيين فقط“.

كنت حينها صغيرةً وحرةً، في الخامسة والعشرين من عمري وكنت عازمةً على القتال، فصرّحت إلى سمسار العقارات بأن هذه سياسة تمييزية فجّة ضد الأجانب، وهو ما وافق عليه بصراحة وما أدهشني هو أنه وعدني بالتحدث مع رؤسائه، وبعد عدة أيام اتصل بي ليخبرني أن كبار المسؤولين قد تعاطفوا مع وضعي وسيسمحون لي باستئجار المكان بنفس الشروط التي تُطبق على العملاء اليابانيين.

لقد سررت بما حققته من نصر، لكن المعركة لم تنته بعد، فبعد فترة وجيزة، اتصلت بي الوكالة العقارية لإخباري أن الشركة الضامنة، وهي شركة يُفترض أنها رائدة في هذا المجال، قد تقاعست عن تأدية دور الضامن لي لكوني أجنبيةً واشترطت أن يكون هناك من يوقع معي بالمشاركة حتى أتمكن من استخدام خدماتهم، وقد كان هذا مربكًا لأن سبب ذهابي إلى الشركة في المقام الأول هو أنني لم يكن لدي ضامن. اتصلت على الفور بأحد ممثلي الشركة، لكنه جادل بحزم وأصر على أنه ليس بوسعه فعل أي شيء لأن هذه هي "سياسة الشركة". في النهاية تحتم عليّ دفع ضعف الرسوم التي يدفعها العميل الياباني مقابل نفس الخدمة.

بالتأكيد لم أكن وحدي من مر بهذه التجربة، فقد ذكرت وكالة الأنباء اليابانية جيجي برس مؤخرًا أن ما يقرب من نصف الأجانب المقيمين في اليابان يقولون إنهم تعرضوا للرفض في مرحلة ما عندما حاولوا استئجار شقة. لن أتفاجأ إذا علمت أن الرقم أكثر من ذلك بكثير.

حتى لو لم يتعارض هذا الأمر مع القانون بشكل صريح، فإن رفض تأجير شقة لشخص لأنه أجنبي أو إجبار الأجنبي على دفع رسوم باهظة على خلاف الياباني، هو بلا شك خطأ. ومع ذلك، فإن التمييز ضد الرعايا الأجانب يعد ممارسة لها تاريخ طويل في صناعة العقارات. لا شك أن الإصلاح ضروري، لكن أية محاولة ستكون بطيئة وثقيلة الخطى، ومن المؤكد أيضاً أن التغيير لن يحدث من الداخل مما يجعل من الضروري أن يشير الناس إلى السياسات المتحيزة التي يتبناها هذا القطاع. ينطبق نفس الشيء على سوق العمل، فبينما تفتح اليابان أبوابها أمام عدد متزايد من العمال الأجانب، يحتاج الناس إلى نبذ الممارسات العنصرية إذا كانت الدولة تأمل في حماية حقوق الإنسان للعمال القادمين من الخارج.

للوصول إلى مجتمع منفتح

أعتقد اعتقادًا راسخًا بأحقية كل الناس في العيش بحرية ومتابعة المسار الذي يختارونه، بغض النظر عن عوامل مثل مسقط رأسهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو جنسهم أو ميولهم الجنسية أو لون بشرتهم. أدرك أن فكرة وجود هذا المجتمع المنفتح والمتسامح مع شتى أنماط الحياة الفردية للناس على اختلافاتها، قد تبدو مجرد أمنية تثير الضحك، لكن كم سيكون من الرائع أن نتخذ قراراتنا بحرية وأن نرسم طريق حياتنا في مجتمع كهذا؛ بالنظر إلى أعمالي السابقة، أجد أن الشوق إلى وجود مثل هذا المجتمع يشكل جزءاً أساسياً من العديد من القصص التي كتبتها.

في روايتي Hitorimai (الرقص المنفرد)، تفر الشخصية الرئيسية تشو نوري من تايوان إلى اليابان هربًا من ذكريات هجوم عنيف، وحتى في طوكيو تطاردها أفكارها وتدفعها للتفكير في الانتحار كوسيلة للخروج من عذابها الشخصي. في تبريرها لأفكارها التدميرية الذاتية، تخلص إلى فكرة أنه ”طالما لم يُسأل أحد منا عن رأيه قبل أن يأتي إلى هذا العالم، فمن العدل أن يكون لنا على الأقل الحق في تقرير ما إذا كنا سنحتمل هذه الحياة أم سنهرب منها“. وبنفس الطريقة فإن بطلة روايتي Itsutsu kazoereba mikazuki ga (عدّ إلى خمسة والقمر هلال) تكافح في شبابها تحت وطأة قواعد المجتمع وتوقعاته قبل أن تكتشف في النهاية أنها تتمتع بحرية اختيار هويتها.

هناك جوانب من حياتنا وُلدت معنا وجئنا بها إلى هذا العالم ولذا يجب علينا قبولها كما هي. فكلمات مثل ذكر وأنثى ومثلي الجنس ومستقيم ومتوافق الجنس ومتحول جنسياً وحتى جنسياتنا كأجانب أو يابانيين، كلها تحدد هويتنا سواء شئنا أم أبينا. رغم كل هذا، لدي أمل أن يتعلم المجتمع التغاضي عن هذه المسميات، ففي نهاية المطاف، لن يتمكن الناس فعلياً من العيش سواسية إلا عندما يتحرروا من افتراضات المجتمع وتوقعاته.

(نشر النص الأصلي باللغة اليابانية. الترجمة من الإنكليزية. صورة العنوان من Show99/بيكستا).